غيب الموت صباح أمس الأحد المخرج الكبير يوسف شاهين عن عمر يناهز 82 عاما بعد صراع قاس مع المرض، وبغيابه فقدت الحركة الفنية المصرية والعربية واحدا من أبرز مخرجيها الذين أثروها بالعديد من الأعمال السينمائية على مدى عدة عقود.

كان الراحل قد دخل في غيبوبة قبل شهرين أثر إصابته بنزيف في الدماغ تم نقله على أثرها إلى المستشفى الأميركي بباريس منتصف شهر يونيو الفائت. ورغم جهود الأطباء معه لوقف النزيف إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل ليعود شاهين مرة أخرى إلى القاهرة، ويتم نقله مباشرة إلى مستشفى القوات المسلحة بالمعادي، ووضعه على الأجهزة الطبية داخل العناية المركزة حتى لفظ أنفاسه الأخيرة. وكانت تقارير أطباء المستشفى الأميركي التي رافقت المخرج العالمي أثناء عودته من باريس إلى القاهرة أفادت أن شاهين يرقد في غيبوبة عميقة من الصعب الإفاقة منها، وفسر الأطباء حالته بأنه موت سريري (إكلينيكي).

الأزمة الصحية التي مر بها يوسف شاهين قبل وفاته لم تكن الأولى في مشواره السينمائي بل سبقتها أزمة تعرض لها في شهر أكتوبر من العام 2000 حين كان يعاني من ضيق شديد في شريان الفخذ الأيسر فتم علاجه عن طريق توسيع ذلك الشريان وتركيب دعامة له.وفي العام 2002 وأثناء تصوير فيلم «سكوت ح نصور» تعرض شاهين لأزمة قلبية تم نقله على أثرها إلى مستشفى مبارك العسكري، وكان تعليق أحد الأطباء وقتها أنه لو واصل العمل لمدة 15 دقيقة لمات فورا، ثم غادر المستشفى مع توصية من الأطباء بالراحة التامة، لكنه لم يعبأ بأوامرهم وواصل العمل في الفيلم لتتكرر الأزمات بواقع أسبوع عمل وأسبوع في المستشفى، حتى وصل الأمر إلى ضرورة سفره إلى باريس ليمضي 45 يوما تحت العلاج.

في شهر سبتمبر من العام 2003 تعرض شاهين لأزمة صحية مفاجئة دخل على أثرها إلى المستشفى حيث قضى يومين في العناية المركزة، قبل أن تتحسن صحته.

أما في أبريل من العام 2004 فحدث تدهور كبير في صحته وارتفاع مفاجئ في ضغط دمه أدى إلى دخوله في غيبوبة، وشخص الأطباء الحالة في ذلك الوقت بوجود ماء على الرئة فأثر ذلك على وصول الدم إلى شرايين المخ، وهو ما وصفه الأطباء بالحالة الحرجة، غير أن شاهين تحسنت صحته واستمر في العمل، حتى جاءت أزمته الأخيرة.

ما يقرب من ستين عاما من الإبداع هي رحلة المخرج المصري يوسف جبريل شاهين الذي ولد في 25 يناير من العام 1926 بمدينة الإسكندرية ـ شمال مصر لأسرة من الطبقة المتوسطة، ورغم بساطة الأسرة إلا أنه درس في كلية فيكتوريا إلى أن حصل على الشهادة الثانوية والتحق بعدها بجامعة الإسكندرية، وقضى بها عاما دراسيا واحدا ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية، ودرس هناك فنون السينما والدراما، وعاد إلى القاهرة، وبدأ عالمًا جديدًا غير مألوف في السينما المصرية، وكان أول أفلامه عام 1950 «بابا أمين»، ثم جاء فيلمه الثاني «ابن النيل» الذي شارك في مهرجان «كان».

ساهمت الأحداث السياسية والاجتماعية في مصر والعالم العربي في تكوين شخصية يوسف شاهين، فلم تكن القضايا الاجتماعية والاهتمامات السياسية تمثل له الشيء الكثير في بدايته، ولكنه في مرحلة ما قبل ثورة يوليو وزمن الإقطاع وما عانى منه الفلاح المصري وجد نفسه عفويا يدافع ببساطة متناهية وصدق مؤثر عن هذا الفلاح في فيلم «ابن النيل» عام 1951،.

وقد وصل شاهين إلى مرحلة فنية متقدمة عام 1958 بفيلمه «باب الحديد»، والذي أسس له العرش على هرم السينما المصرية حتى أنه أصبح أهم شخصية سينمائية مصرية وعربية في ذلك الوقت، ثم جاء فيلم «الناصر صلاح الدين» عام 1963 ليؤكد قدراته الفنية والتقنية، ويؤكد أيضا هويته السياسية، حيث قدم خلاله ملحمة على طريقة أفلام هوليوود الضخمة عن الحروب الصليبية التي قادها صلاح الدين، وجاء هذا الفيلم ليشير بشكل واضح إلى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

والذي تكاتفت عليه القوى الغربية من أوروبا وغيرها، وشنت العدوان الثلاثي على مصر، وقاوم عبد الناصر والشعب المصري هذا العدوان، وانتصروا عليه في عام 1956، وهو ما يعني أنه تأثر سياسيا بشخصية القائد والزعيم عبد الناصر.

استطاع يوسف شاهين خلال مشواره الفني الطويل أن يؤسس أوسع مدرسة سينمائية في تاريخ السينما العربية، وتتلمذ على يديه العديد من المخرجين الذين أثروا في السينما المصرية بأهم الأفلام مثل يسري نصر الله، والراحل رضوان الكاشف، علي بدرخان، خالد الحجر، خالد يوسف، مجدي أحمد علي، عماد البهات.

شكل أداء يوسف شاهين مدرسة خاصة تتميز بأسلوب ورؤية متقدمة في تعاملاته وعرف يوسف شاهين بأنه صاحب فكر متميز، ظهر ذلك من خلال إعادته قراءة التاريخ بوجهة نظر خاصة، وكذلك مناقشة الدور المنتظر من المثقف العربي للقيام بدوره في بناء المجتمعات العربية، ثم قضية التواصل مع الآخر.

حيث كان يرى منذ وقت مبكر أننا في حاجة للتواصل، وأخيرا قضية التعايش والتسامح من منظور حوار الحضارات وعالمية الثقافة. وعلى الرغم من التزام يوسف شاهين تجاه قضايا مهمة جدا تتعلق بالتسامح وإعادة التاريخ والتعايش مع الآخر وغيرها ولا خلاف عليها كمفهوم عام، إلا أن معظم أعمال شاهين ظلت تثير كثيرا من الجدل واللغط والحوار، على الرغم من أنها تقوم على رؤيته الخاصة.

ونظرا لأن شاهين منذ سنوات عمره الأولى مثير للنقاش والجدل، فقد كانت تلك الحالة تلازمه مع كل عمل يقدمه لأن الجميع ينظر إليه على أنه مختلف عن الآخرين وأفكاره جديدة على الوسط الفني المصري والعربي فهو دائما يبحث عن أسلوب جديد وصياغة مختلفة لأفكار ومفاهيم قد تبدو عادية ومتداولة عند الكثير، ولكنه كان صاحب نظرة ورؤية خاصة قد يصعب على الكثيرين فهمها من المشاهدة الأولى لأعماله، حتى أن بعض ممن لم يتعمقوا في شخصيته يطلقون مقولة «متى سنترجم أفلامه إلى العربية»، بدعوى أن تناوله للموضوع قد يكون برؤية أبعد من المفاهيم السائدة.

مدرسته السينمائية منهج متفرد في دنيا الفن السابع

ترك المخرج السينمائي المصري يوسف شاهين صاحب المدرسة السينمائية الأهم في العالم العربي أعمالا ملتزمة سياسيا واجتماعيا اتخذت من مصر خلفية لها، ويرى النقاد أن استمرار تجربته رغم ما تثيره من جدل، والتي لم تتوقف بسبب مواقفه الاجتماعية والسياسية الواضحة التي عبرت عنها أفلامه، مؤشرا عن طريقته الفريدة التي مثلت منهجا في دنيا الفن السابع عربيا.

ويقول الناقد السينمائي كمال رمزي: استطاع شاهين من خلال ذلك أن يشكل أهم وأوسع مدرسة سينمائية في مصر، كانت مدرسة تعليمية حقيقية أثرت في عدد كبير من المخرجين الذين عملوا معه في أفلامه واستفادوا منه كل بطريقته. وقد تتلمذ على يديه العديد من المخرجين مثل يسري نصر الله والراحل رضوان الكاشف وعلي بدرخان وخالد الحجر وخالد يوسف ومجدي احمد علي وعماد البهات.

ويعتبر المخرج داوود عبد السيد الذي عمل مع شاهين مساعد مخرج في فيلم «الأرض» وهو من العلامات المميزة في السينما المصرية أن «أهمية شاهين تنبع من انه شكل مدرسة حقيقية مباشرة وله تلامذته الذين تعلموا منه» موضحا «شكل أهم مدرسة إنتاجية.

حيث خرج أهم المنتجين في السينما المصرية». وكذلك قدم شاهين وجوها مهمة في السينما المصرية أهمها الفنان الذي وصل إلى العالمية عمر الشريف عندما اختاره للمرة الأولى للوقوف أمام فاتن حمامة في فيلم «صراع في الوادي». وقدم عددا كبيرا من نجوم السينما المصرية أفضل إبداعاتهم في أفلامه وأصبح عدد منهم من أبطال الأفلام التي اختيرت من ضمن أهم مئة فيلم مصري خلال مئة عام.

ومن أبرزهم الفنان محمود المليجي الذي قدم أفضل أدواره في فيلم «الأرض»، وكذلك فاتن حمامة التي قدمت أجمل أدوارها معه في فيلم «صراع الوادي»، ويسرا في فيلم «المهاجر» و«حدوتة مصرية» والراحل احمد زكي في فيلم «اسكندرية ليه» إلى جانب محسن محي الدين ونور الشريف في «المصير» و«عودة الابن الضال».

هذه المسيرة والرحلة الطويلة التي أمضاها في السينما المصرية قرابة ستين عاما استطاع شاهين خلالها أن يفرض ثقله الفني والإبداعي بشكل لا لبس فيه فلا يمكن لأحد محليا أو عالميا أن يتطرق للسينما العربية من دون أن تكون تجربة شاهين في مقدمتها.

وظهر ذلك بشكل واضح عندما قام النقاد السينمائيون المصريون باختيار عشرة من أفلامه من بين أهم مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية بمناسبة مرور مئة عام على انطلاقتها. وهو احد السينمائيين القلائل الذين اعتمدوا على أنفسهم في تمويل أفلامهم لاسيما بعد توقف دعم الدولة له اثر فيلم «العصفور» الذي هاجم فيه الدولة متهما إياها بالتسبب بهزيمة يونيو 1967، فأسس شركته وعمل على الإنتاج المشترك لتمويل أفلامه .

حصل شاهين خلال مشواره السينمائي على العديد من الجوائز والأوسمة العربية والعالمية منها: التانيت الذهبي من مهرجان قرطاج عن مجمل أعماله العام 1970، جائزة الدب الفضي، وعلى الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في برلين عن فيلم «إسكندرية ليه» العام 1979، حصل على جائزة الدولة التقديرية 1994، حصل على جائزة مهرجان كان في عيده الخمسين عن مجمل أعماله1997، حصل على الدكتوراه الفخرية من إحدى جامعات باريس1997.

وفي العام 1999 تم اختيار فيلمه «الآخر» لافتتاح قسم «نظرة ما» بمهرجان كان السينمائي، وفي العام 2001 أخرج فيلم «سكوت ح نصور»، والذي كان ضمن الاختيار الرسمي لمهرجان فينسيا رغم تكريمه في إطار تكريم ثلاثة مبدعين من صناع السينما العالميين، وتم تسليمه وسام المهرجان. كما حصل على أكثر من 12 وساما من مختلف الدول العربية والأوروبية.

وفي العام 2006 منحه الرئيس الفرنسي شيراك أرفع وسام شرف تقديرا لموهبته السينمائية وتأثيره العالمي ومساهمته في التقارب العربي الفرنسي. كما أخرج شاهين أربعة أفلام تمثل سيرته الشخصية وهي «إسكندرية ليه 1978، حدوتة مصرية 1982، إسكندرية كمان وكمان 1990، إسكندرية نيويورك 2004». وكان آخر أعماله «هي فوضى» 2007 عودة بعد غياب لأعماله الواقعية والصادمة والمثيرة للزوابع بسبب نقده للنظام الحاكم في مصر ومؤسساته.

«الإسكندرية السينمائي» يهدي دورته لـ «الأستاذ»

أعلن مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي عن تخصيص ندوته الرئيسية للاحتفاء بالمخرج المصري الكبير يوسف شاهين الذي توفي صباح أمس على سرير المرض بعد أن أصيب بغيبوبة عميقة منذ أكثر من شهر ونصف. وقال سمير شحاتة الأمين العام للمهرجان: إن الندوة اختير لها عنوان «الأستاذ» وتعقد في إطار تكريم المخرج الكبير الذي يهديه المهرجان دورته ال24 التي تقام في الفترة من 26 إلى30 أغسطس المقبل.

وأضاف شحاتة إن الندوة ستعقد في الحادية عشرة صباح اليوم التالي للافتتاح بمقر المهرجان ويديرها الناقدان وكاتبا السيناريو رفيق الصبان وأحمد صالح بحضور عدد من نجوم السينما الذين عملوا مع شاهين بينهم يسرا وليلى علوي ومحمود حميدة ونور الشريف ونبيلة عبيد وهاني سلامة وخالد يوسف وعزت العلايلي ولبلبة.

وأخرج شاهين عددا من كلاسيكيات السينما من أهمها فيلم «الأرض» الذي حل ثانيا في قائمة أفضل مئة فيلم مصري بالقرن العشرين وفيلم «باب الحديد» بالمركز الرابع ضمن نفس القائمة. ويقيم المهرجان ندوة رئيسية ثانية صباح ثالث أيام المهرجان بعنوان «الفضائيات والتراث السينمائي المصري هروب وتهريب أم إحياء وحماية» يديرها السيناريست ممدوح الليثي ويأتي تنظيمها في صورة نداء لحماية ما تبقى من التراث السينمائي المصري الذي يعد بمثابة ذاكرة وتاريخ وطن.

بيان ساركوزي

وجه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تحية تقدير إلى المخرج السينمائي المصري الكبير يوسف شاهين واصفا إياه بأنه «مدافع كبير عن حرية التعبير وبشكل أوسع عن الحريات الفردية والجماعية».

وكتب الرئيس الفرنسي في بيان «فقد الفن السابع لتوه احد أشهر المساهمين فيه يوسف شاهين المتعلق جدا بمصر لكنه منفتح على العالم هو مخرج ملتزم ومدافع كبير عن حرية التعبير وبشكل أوسع عن الحريات الفردية والجماعية».

وأضاف إن يوسف شاهين سعى طوال حياته من خلال الصورة إلى التنديد بالرقابة والتعصب والتشدد.

وأضاف ساركوزي: إن موهبته سمحت له بتطوير أشكال مختلفة للتعبير الفني وولوج كل أنواع الأفلام التي تتناول السير الذاتية واستعادة التاريخ وأيضا الاستعراضية. يوسف شاهين مفكر صاحب استقلالية كبيرة وهو مدافع كبير عن تزاوج الثقافات.