شكلت زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى العاصمة اللبنانية بيروت أمس انعطافة مهمة في العلاقات اللبنانية السورية، بعد أكثر من ثلاث سنوات على سحب القيادة السورية قواتها من لبنان، ما يعكس بداية توجه جديد من دمشق في التعامل مع الملف اللبناني يتوقع أن يستهل بالقمة القريبة المرتقبة بين الرئيسين اللبناني ميشال سليمان والسوري بشار الأسد والتي يتوقع أن تتوج بإعلان الرئيسين عن إقامة علاقات دبلوماسية وترسيم حدود مع تأكيدات سورية على ضرورة تكامل العلاقات وإبعادها عن التدخلات الخارجية.

ورغم أن هذه ليست الزيارة الأولى لوزير الخارجية السوري الذي كان زار لبنان مرتين الأولى في يوليو 2006 للمشاركة في اجتماع وزراء الخارجية العرب والثانية في مايو الماضي جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، فإن زيارة الأمس، التي سلم خلالها المعلم دعوة لسليمان لعقد قمة مع الأسد، اكتسبت أهمية استثنائية لأنها تؤشر إلى بدء مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين. بعدما تدهورت على نطاق واسع إثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 وانسحاب القوات العربية السورية في 24 أبريل من العام نفسه.

وهي تأتي في إطار ترجمة سورية لمحصلة القمة الرباعية بين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والرئيسين السوري بشار الأسد واللبناني ميشال سليمان والقمة الثنائية اللبنانية السورية على هامش اجتماعات الاتحاد من أجل المتوسط في باريس حيث جرى الاتفاق على عقد قمة ثنائية أخرى في دمشق.

ورغم أن الزيارة قوبلت باحتجاجات على الطريق المؤدية إلى قصر بعبدا إلا أن الأجواء والتصريحات التي صدرت عن المسؤولين اللبنانيين والمعلم كانت إيجابية، فالوزير الزائر قال إنه بحث مع القيادة اللبنانية «الآليات التي تساهم في الانتقال بالعلاقات بين البلدين إلى أفضل حالاتها بما يخدم مصلحة الشعبين السوري واللبناني» في ضوء وجود الرئيس التوافقي وحكومة الوحدة الوطنية في لبنان.

وأفادت مصادر رسمية لبنانية أن الرئيس اللبناني والوزير السوري ناقشا ثلاثة عناوين ستشكل جدول أعمال القمة اللبنانية السورية الأولى من نوعها منذ ثلاث سنوات، وهي:

أولاً، العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا، إذ سيصار إلى وضع آلية لفتح سفارات وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين البلدين، مع ترجيح عدم إلغاء المجلس الأعلى اللبناني السوري على أن تعدل أو تزال الصلاحيات التي تتعارض ووجود سفارتين في كل من بيروت ودمشق.

ثانياً، ترسيم الحدود، على أن يجري تفعيل اللجنة اللبنانية السورية المكلفة ترسيم الحدود بين البلدين والتي بدأت العمل منذ العام 1966 وقطعت شوطاً في عملها على رغم استمرار وجود نقاط خلافية محدودة.

ثالثاً، الاتفاقات اللبنانية السورية التي سيعمل الجانبان على وضع آلية محددة لإعادة قراءتها في كل المجالات.

وعلى أثر المحادثات في قصر الرئاسة مع سليمان رسم المعلم خريطة طريق للمحادثات المرتقبة بين الرئيسين اللبناني والسوري.

وصدرت عنه إشارات إيجابية نحو رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، إذ لفت إلى أن السنيورة هو رئيس حكومة الوحدة الوطنية «ويجب التعامل مع الموضوع على أساس أنه سيكون هناك زيارات متبادلة بين رؤساء الحكومات».

ورداً على تساؤل عن ضغوط مورست على دمشق للتقرب الدبلوماسي من بيروت قال المعلم: «لا أحد يقيم علاقات مع احد عنوة، ولا نريد أي اتفاقات مجحفة بحق لبنان أو سوريا بل نريد تحقيق مصلحة الشعبين».

وقال: «لن نسمح لأي طرف ثالث بالتدخل في العلاقات اللبنانية السورية» وشدد على أن الجانبين سيحتاجان «إلى تفعيل عمل الوزارات في الفترة المقبلة بين لبنان وسوريا». وقال: «نحن في سوريا نسعى إلى تعزيز التضامن العربي ولكن الأمر يحتاج إلى تعاون الطرفين».

وشدد المعلم على أن «فتح السفارات بين لبنان وسوريا لن يغير من طرق التعامل والتبادل عند الحدود»... نحن عازمون على فتح سفارة في لبنان وإقامة علاقات دبلوماسية». وقال: «لن يستطيع احد فرض شيء على لبنان إذا كان موحداً». وأضاف القول: «أطمئن الجميع أن لبنان وسوريا لا يبنيان علاقاتهما على أساس الشروط المسبقة».

وأشار إلى أن «لا شيء يمنع من ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا إذا كان لا بدّ من الترسيم».

وإذ لفت إلى «أننا لم نطلب من الأشقاء في حزب الله تحرير الجولان، فهم قاوموا وحققوا الانتصارات ولا أحد يستطيع أن ينكرها لأنها واضحة».. شدد على أن «مزارع شبعا لبنانية والمشكلة هناك هي الاحتلال الإسرائيلي وليست بين لبنان وسوريا، ومرابطة القوات الدولية في مزارع شبعا لا يعني انتهاء الاحتلال».

وعلق صلوخ على زيارة المعلم، مؤكداً على أنها «خطوة ايجابية لإعادة العلاقات الأخوية بين البلدين إلى مجراها التاريخي الأصيل».

على الجانب المتعلق بالأحزاب السياسية، فكانت بارزة تصريحات الرئيس اللبناني السابق رئيس حزب الكتائب أمين الجميل بالزيارة وبدا منفتحاً تجاه دمشق بوصفه المعلم بـ «الصديق»، لكنه طالب القيادة السورية بأن تكون على مسافة واحدة من جميع الأحزاب والسياسيين في لبنان وألا تنحاز لطرف دون آخر.

وقال إنه «منفتح» على الحوار مع سوريا.

أما رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط فكان غير راض عن الزيارة وهاجمها. وقال إنه «بالنسبة للسيمفونيات المعسولة حول التبادل الدبلوماسي وترسيم الحدود التي لا ينفك وليد المعلم عن تكرارها، فهي تنتظر التطبيق الفعلي». وأضاف جنبلاط أن «الحد الأدنى المقبول هو إلغاء المجلس الأعلى اللبناني السوري وإلغاء الاتفاقات المجحفة بحق لبنان والتي تتطلب إعادة نظر جذرية».

مرحلة جديدة في العلاقات السورية اللبنانية

تعكس زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم الروحية الجديدة التي انبعثت في العلاقات السورية اللبنانية منذ انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للبنان وزيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى العاصمة الفرنسية باريس الأسبوع الماضي وما تمخضت عنها من نتائج.

ويرى المراقبون في العاصمة السورية أن هذه الروحية الايجابية هي التي قادت المعلم لأن يتوجه إلى بيروت مرتين خلال شهر واحد وهي التي أفضت إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في لبنان بعد أزمة طويلة.

ويرى المحلل السياسي السوري عبادة تامر أن سوريا ستكون إيجابية في جميع الملفات العالقة بين البلدين، وأن الوزير المعلم مخول باتخاذ قرارات بشأن جميع القضايا المطروحة على جدول الأجواء الأعمال من ملف الحدود وترسيمها إلى ملف التمثيل الدبلوماسي.

ويعتقد تامر أن الأجواء التي تحيط بزيارة الرئيس اللبناني إلى دمشق باتت ملائمة، وأن المعلم سيضع اللمسات النهائية على ضمان نجاحها.

وتثير الملفات التي تتحدث عنها جماعة 14شباط شكوك المراقبين في دمشق حول مدى جديتها، فما طرح على المعلم خلال زيارته لبيروت لا يعدو كونه «بروباغاندا» (دعاية إعلامية) هدفها التشويش على الزيارة. فملفات المفقودين والحدود والتمثيل الدبلوماسي هي مطالب سورية، حسب المحلل السياسي أسامة دنورة، وكانت الأجواء غير مناسبة لطرحها في فترة زمنية معينة نظراً لحجم الضغوط على سوريا وتوظيف الملفات السابقة في حملة الضغوط، بحيث بدت وكأنها غير مقصودة لذاتها.

ويؤكد دنورة أن التوقيت مهم في هذا السياق ومن حق سوريا أن تبدي الشكوك حيال توقيت فتح الملفات وتوقيت إغلاقها. وأن من حق سوريا أن تقرر التوقيت الذي يناسبها وقد يكون الوقت مناسب الآن.

زيارة المعلم إلى بيروت نقطة محورية في العلاقات بين البلدين الجارين، ومن شأنها أن تؤسس لمستقبل واعد، شرط أن لا يستخدم أي ملف من أجل قضايا وملفات وأجندات خارجية، حسب رأي المراقبين في العاصمة السورية.

وهذه الزيارة هي الثانية التي يقوم بها المعلم على هذا المستوى من الأهمية خلال أسبوعين، إذ قام الأسبوع قبل الماضي بزيارة إلى باريس هي الأولى لمسؤول سوري على هذا المستوى منذ ثلاث سنوات ونيف كانت ثمرتها إعادة الدفء إلى علاقات دمشق وباريس ولتي تكللت بزيارة الرئيس الأسد ولقائه الرئيس نيكولا ساركوزي.

وهكذا تتجه الأنظار الآن للقمة المرتقب أن تحتضنها العاصمة السورية، ربما الأسبوع المقبل، حيث سيعمل الرئيسان الأسد وسليمان على وضع أسس علاقة إستراتيجية جديدة بين بلديهما بعد فتور طال أمده.

أميركا لا تعرف

قال وزير الخارجية السوري في المؤتمر الصحافي الذي عقده أمس في القصر الرئاسي اللبناني إن «هناك تغييراً في السياسة الأميركية» وتمنى أن يدوم. وعن التغير الحاصل في السياسة الأميركية، أعرب المعلم عن اعتقاده أن «الإدارة الأميركية لم تكن تعرف خصوصيات منطقتنا، ونحن نرى تغييراً في توجهها.

كما نرحب بسياستها الجديدة إذا وجدت». وتتناغم هذه التصريحات مع التصريحات التي سبق وصرح بها الرئيس بشار الأسد للصحافة الفرنسية والتي طالب فيها فرنسا بتعزيز دورها «لدفع الولايات المتحدة لتكون أكثر إيجابية من القضايا العربية في المنطقة»، معتبراً أن الأميركيين «لا يحاولون فهم ما يجري في المنطقة، وبمقدور فرنسا أن تساعدهم على فهم واقع المنطقة».

احتجاج

لا علاقات قبل ما يرجعوا

تجمع ذوو المعتقلين والمفقودين اللبنانيين في سوريا على الطريق المؤدية إلى قصر بعبدا وكانوا يعتزمون تسليم مذكرة إلى الرئيس سليمان موقعة من 16 جمعية تطالب بحل القضية.

وتعليقاً على تصريحات وليد المعلم إن موضوع المفقودين «كان قيد بحث»، وتوجهه إلى أهالي المفقودين والمعتقلين بالقول إن «من صبر أكثر من 30 عاماً يستطيع أن يصبر ثلاثة أسابيع».. علق رئيس لجنة دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين (سوليد) غازي عاد بشكره على «اعترافه بأن هذه الممارسة عمرها 30 عاماً». وأكد أن «الحديث عن بضعة أسابيع التزام جدي من المعلم ستتم متابعته».

وكان المعلم شدد على أن الجانبين سيحتاجان «إلى تفعيل عمل الوزارات في الفترة المقبلة بين لبنان وسوريا». وقال: «نحن في سوريا نسعى إلى تعزيز التضامن العربي ولكن الأمر يحتاج إلى تعاون الطرفين».

تهنئة بالحرية

المعلم هاتف سمير القنطار ودعاه لزيارة دمشق

دعا وزير الخارجية السوري وليد المعلم خلال زيارته إلى لبنان أمس الأسير المحرر من السجون الإسرائيلية سمير القنطار إلى زيارة دمشق.

وقال مصدر رسمي سوري إن هذه الدعوة تمت خلال اتصال هاتفي أجراه المعلم بالقنطار «هنأه فيه بإطلاقه من الأسر من سجون الاحتلال الإسرائيلي».

وكان القنطار أطلق يوم الأربعاء الماضي في عملية تبادل مع إسرائيل برعاية الوسيط المخابراتي الألماني شملته وأربعة آخرين من حزب الله مقابل رفات الجنديين اللذين اختطفا في صيف 2006 في عملية أطلق عليها حزب الله اسم «عملية الرضوان».

موقف سياسي

جنبلاط ينتقد إخضاع محكمة الحريري للمساومات

انتقد رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط ما يدور عن ربط بين قرار المحكمة الجنائية الدولية بخصوص دارفور وقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري واعتبر أن «أية محاولات لإخضاع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لأية مساومات أو تسويات أو صفقات أو متاجرات على حساب العدالة والحقيقة سيشكل انتكاسة كبرى لكل مفاهيم القانون الدولي».

وأضاف جنبلاط إن هذا التلاعب «سيؤسس لإسقاط منطق المحاسبة على الإجرام وسيبيح منطق الثأر والانتقام والرجعية والتخلف بدلا من تكريس منطق العدل والمحاسبة والمساءلة».

وكان النائب جنبلاط زار رئيس الهيئة الروحية لطائفة الموحدين الدروز الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين وعرضا لعدد من القضايا والمواضيع التي تهم الطائفة والأوضاع السياسية في لبنان.

بيروت ـ علي بردى ــ دمشق ـ تيسير أحمد ــ وكالات