في الوقت الذي تعاني القطاعات الطبية وتحديداً الطبية المساندة (كالتمريض والأشعة والمختبرات والعلاج الطبيعي وطب الإسعاف) من نقص حاد في الكوادر المواطنة لأسباب ارتبط بعضها بمعتقدات خاطئة ومنها النظرة الدونية للعاملين في هذه القطاعات من جهة وغياب الحوافز التشجيعية لاستقطاب المواطنين للعمل في هذه القطاعات من الجهة الأخرى.
أكدت مصادر في شعبة العلاج الطبيعي بجمعية الإمارات الطبية أن 60 % من اختصاصيي العلاج الطبيعي في الأندية الرياضية غير مرخصين لمزاولة المهنة لعدم اجتيازهم للاختبارات التحريرية والشفوية التي تجريها الوزارة والجهات الصحية الأخرى. وقدرت المصادر عدد العاملين في قطاع العلاج الطبيعي في الدولة بـ 700 شخص منهم 40 مواطنا ومواطنة فقط مقابل 640 وافدا. وقالت المصادر إن الرواتب والحوافز التي يتقاضاها المواطنون العاملون في قطاع العلاج الطبيعي غير مشجعة لا بل إن قانون الموارد البشرية الذي تم تطبيقه مؤخرا جاء «ليزيد الطين بله» نظرا لعدم مراعاة الخبرات العملية والمؤهلات العلمية في عملية التسكين.
وترى ثريا الكتبي (اختصاصية علاج طبيعي في مستشفى راشد) عزوف المواطنين والمواطنات عن العمل في الخدمات الطبية المساندة يعود لنظرة المجتمع الدونية للعاملين في مثل هذه الوظائف رغم الصعوبة والتحديات التي تواجهها ناهيك عن الأخطار التي قد تنجم عن الاحتكاك المباشر مع مختلف أنواع الأمراض. وتضيف على الرغم من أنني احمل شهادة جامعية (بكالوريوس) في العلاج الطبيعي إلا أن مسماي الوظيفي هو فني، وهذا ظلم لأن مؤهلاتنا العلمية وخبراتنا العملية تفوق مستوى الفنيين الحاصلين على شهادات علمية مقابل دراستهم لمدة عامين فقط.
وتقول حصة ناصر (اختصاصية علاج طبيعي في مستشفى الوصل)، كنت أتوقع يكون وضعنا في مواقع العمل أفضل بكثير مما نحن عليه الآن، لأننا أولا نحمل شهادات جامعية ولم أكن أتوقع أن تكون بيئة العمل طاردة إلى هذا الحد، لأننا لا نكافأ بناء على الجهد الذي نبذله لا من الناحية المعنوية ولا المادية، فكل اختصاصي يستقبل في اليوم سبع حالات مرضية مختلفة، فمنهم الذين لا يستطيعون الحراك بسبب شلل نصفي.. والضغط الجسدي الذي نتحمله كبير جداً، وبالنسبة للمساعدين فهم من غير خبرة فالعمل والجهد ملقى علينا في المرتبة الأولى.
وأشارت إلى أن إحجام المواطنين والمواطنات عن العمل في هذا المجال مرده إلى طبيعة العمل وكنا نتأمل خيرا بقانون الموارد البشرية الجديد إلا أننا صدمنا من ناحية التسكين التي تساوى فيها الجميع بغض النظر عن المهلات والخبرات. وتضيف: في الدول الغربية هناك اهتمام كبير من الجهات والمؤسسات والمجتمع بأسرة في المهنة، حيث ان الاختصاصي يعامل باحترام عكس الذي نراه لدينا.
تحسن الوضع
وأكدت الدكتورة أمل شملان رئيسة قسم إعادة التأهيل في مستشفى الوصل إلى أن الوضع يتحسن شيئاً فشياً فالوضع في الماضي كان أصعب من الآن بكثير، فتواجد اختصاصيي العلاج الطبيعي في مناصب قيادية صحح هذا المفهوم الخاطئ عن هذه المهنة وسمح للاختصاصين باتخاذ بعض القرارات لتغيير الوضع الذي كانوا عليه، فالفهم الخاطئ لهذه المهنة الإنسانية من قبل متخذي القرار هو احد أسباب النظرة الدونية لهذه المهنة من المجتمع.
تغيير المسمى الوظيفي
وتقول إيمان الحمادي، موظفة في مستشفى راشد ان تغيير المسمى الوظيفي من اختصاصي علاج طبيعي إلى فني يعني أن الطبيب هو صاحب القرار الأول والأخير والفني هو مجرد شخص يتبع الأوامر الصادرة من الطبيب وهذا بحد ذاته إجحاف بحقنا. وتتفق ندى سليمان موظفة في قسم العلاج الطبيعي في مستشفى الوصل، مع زميلاتها السابقات حول المسمى الوظيفي، وعلاوات العمل والامتيازات وترى أن قانون الموارد البشرية لم ينصفهم من حيث الدرجات والراتب.
أسباب العزوف
ومن جهته لخص عبد العظيم كمكار رئيس شعبة العلاج الطبيعي في جمعية الإمارات الطبية أسباب عزوف المواطنين عن دخول هذا القطاع يرجع إلى الدرجات الوظيفية غير المشجعة بعد صدور قانون الموارد البشرية الأخير والسبب الثاني هو المسميات الوظيفية حيث يتخرج الطالب أو الطالبة برتبة اختصاصي علاج طبيعي وعند العمل يصبح مسماه فني علاج طبيعي والسبب الأخير عدم وجود استقلالية في المهنة أي أن اختصاصي العلاج الطبيعي يجب أن يعمل تحت أمرة الطبيب عكس ما يحدث في الدول المتقدمة ناهيك عن النظرة الدونية للمجتمع لكل العاملين في المهن الطبية المساندة.
وأشار إلى أن برنامج العلاج الطبيعي يبدأ مباشرة بعد تشخيص نوع الاضطراب الحركي حيث يقوم اختصاصي العلاج الطبيعي بمعاينة المريض وذلك بتقييم قوة العضلات، والمدى الحركي للمفاصل، مشيرا إلى أن أصعب جزء في التقييم هو قياس مدى تأثر مناطق الجسم عصبيا حيث يعتمد تصميم البرنامج وفاعليته عليه وبعد مناقشة التقييم مع الفريق الطبي يوضع هدف موحد يناسب حالة المريض طبيا ونفسيا واجتماعيا ووظيفيا لأداء حياته اليومية بأقل اعتمادية على الآخرين والوقاية من المضاعفات.
وأوضح أن العلاج الطبيعي يستخدم في تمارين استطالة العضلات وتحريك المفاصل وتمارين حرة أو باستخدام الأوزان إذا أمكن والتدريب على وظائف الحياة اليومية إذا وجد قصور فيها والاستعانة بأجهزة مساعدة لتحسين وظائف الحياة العادية وتوعية المريض بالمحافظة على جلسة الجسم في أي ضع كان.
وبين أن دور الاختصاصي يكمن في تقييم المريض وظيفيا ومعرفة سبب الضعف ثم تفصيل برنامج تأهيلي مناسب يكون دوريا ومدى الحياة والمحافظة على مرونة المفاصل والعضلات ومنع تيبسها المحافظة على قوة وظائف العضلات وزيادة قوة تحملها. وتأهيل المريض ليعتمد على نفسه قدر الاستطاعة حسب إمكانات المريض نفسه تأهيل المريض عند الحاجة لاستخدام الأجهزة المساعدة لتحسين وظائف حياته اليومية وتكييف المريض نفسيا وجسديا للتأقلم مع مرضه وتنشيط الحس الإدراكي والمحافظة على توازن الجسم والتحكم أثناء الحركة في وضعية الجسم والمحافظة على أداء وظائف القلب والرئتين وتحفيز المريض وتشجيعه أن يكون اجتماعيا.
العلاج الطبيعي
العلاج الطبيعي (العلاج بالوسائل الطبيعية) هو أحد الاختصاصات الطبية عرف مبكرا بأنه تشخيص وعلاج العجز والمرض بالوسائل الطبيعية. والعلاج الطبيعي هو فن وعلم يسهم في تطوير الصحة ومنع المرض من خلال فهم حركة الجسم ويعمل على تصحيح وتخفيف آثار المرض. وتشتمل وسائل تقييم العلاج على الإدارة والإشراف ومشاورة الأنظمة الصحية الأخرى وإعداد السجلات والتقارير والمشاركة في التخطيط للمجتمع والمشروعات والخطط المستقبلية وتقييم البرامج التعليمية.
ولكي يقدم اختصاصيو العلاج الطبيعي الخدمة الكاملة والرعاية السليمة العلمية للمرضى فإنه يجب أن يعمل على أسس وبمستوى تفاهم قوي مع الأطباء واختصاصيي العلاج بالعمل والخدمة الاجتماعية.
الارتقاء بالخدمات
أكد جمال ناجي مدير إدارة الموارد البشرية في هيئة الصحة أن الهدف في المرحلة الحالية ينصب على تطوير القطاع الصحي لبلوغ المعايير العالمية، لأن تحسين القطاع الصحي هو احد أهم أولوياتنا والتي بدأنا بالفعل في مناقشتها بشكل رسمي بناء على توجيهات قاضي المروشد مدير عام هيئة الصحة في دبي ولا يتم هنا تحديد تخصص معين ولكن الارتقاء بالمستوى الوظيفي لزيادة الإنتاجية.
وأضاف يندرج تحت هذا البند المستوى التعليمي والخبرات والمؤهلات السابقة بالإضافة إلى التميز بين الاختصاصات المختلفة، ذلك لأن هذا التمييز مطلوب حسب الطبيعة الوظيفية لكل منها، وقد قمنا بإشراك المسؤولين عن الأقسام والاختصاصات المختلفة لضرورة المصداقية والشفافية ولمعرفتهم للاحتياجات الوظيفية.
رأي المحرر
قبل أن تتحول مؤسساتنا إلى نقطة عبور
أوضاع أصحاب المهن الطبية في الدولة كما هي الحال في معظم الدول العربية مهضومة، وجميع خطط التوطين أو زيادة نسبة العاملين في هذه القطاعات تتحطم أمام التشريعات والقوانين المعمول بها من قبل الجهات الصحية. فمن الناحية الأولى يلاحظ ان رواتب العاملين في هذه القطاعات والمسميات الوظيفية لم تعد مشجعة خاصة في ظل وجود عشرات الفرص أمام المواطنين في القطاعات الأخرى التي تعطي رواتب وحوافز مغرية، والعلاوات والامتيازات التي تقدمها الجهات الصحية لم تعد تشكل عامل جذب لإغراء المواطنين والمواطنات للالتحاق بدراسة هذه الاختصاصات التي تعتبر الشريان والعمود الفقري في منظومة الخدمات الصحية.
إن بقاء الوضع الحالي كما هو عليه الآن وغياب الحوافز والامتيازات للمواطنين والمواطنات العاملين في هذه القطاعات لا يمكن أن يعول عليه في خطط التوطين ولا يمكن أن يؤدي لرفع نسبة التوطين المنشودة خلال السنوات القادمة، بل ان استمرار الوضع على ما هو عليه سيدفع بالعاملين في هذه القطاعات للبحث عن وظائف أخرى بعيدة كل البعد عن اختصاصاتهم ودراساتهم ورسالتهم الإنسانية.
متابعة
العلاج الطبيعي مهنة مستقلة
مهنة العلاج الطبيعي مهنة مستقلة تماما عن مهنة الطب وبالتالي يجب أن تدار أقسام العلاج الطبيعي في المستشفيات بعيدا عن الأطباء لأن المريض الذي يتم تحويله إلى العلاج الطبيعي من الأقسام الأخرى يكون إما خضع للعلاج وإما إن تكون حالته قد شخصت من قبل استشاري أو اختصاصي القسم وبالتالي يجب أن تتم متابعة حالته في قسم العلاج الطبيعي من قبل اختصاصي العلاج الطبيعي بعيدا عن تدخل الطبيب لأن اختصاصي العلاج الطبيعي هو شخص مؤهل يحمل شهادة جامعية عليا وبالتالي يجب إعطاؤه الاستقلالية الكاملة في اتخاذ القرار وتحويل الأطباء العاملين في هذه الأقسام إلى مراكز التأهيل طويل المدى.
عملية تقييم اختصاصيي العلاج الطبيعي ما زالت وللأسف تتم من قبل أطباء ليسوا في ذات المجال وبالتالي تكون عملية التقييم نظرية أكثر منها عملية، وقد طالبنا أكثر من مرة المسؤولين عن الخدمات الصحية بضرورة أن تكون عملية تقييم الراغبين بممارسة المهنة في الدولة من قبل اختصاصيي العلاج الطبيعي لأنهم الأدرى بطبيعة هذه المهنة خاصة وان هناك من المواطنين من يحملون شهادات جامعية عليا كالماجستير والدكتوراه.
تحقيق: عزة الجسمي وأمل بدواوي


