يوصف التاريخ السياسي المعاصر لتركيا بالصدام العنيف بين الماضي والحاضر، إذ لطالما اجتهدت الجمهورية الحديثة في الفصل بين زمنين، بين شرق قديم وغرب آتٍ، غافلة عن ما يتشكل من تحت عباءتها العلمانية في غفلة من الزمن، لأكبر قوة إسلامية سياسية معتدلة في الشرق الأوسط متمثلة بحزب «العدالة والتنمية» بزعامة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والذي يواجه حرباً قضائية بدءا من الثلاثاء المقبل ربما تقود إلى حل حزبه وحظر النشاط السياسي لـ 70 من قيادات الحزب بينهم الرئيس عبدالله غول، في حادثة لم تكن الأولى بالنسبة للإسلاميين وربما لن تكون الأخيرة.

وأزمة الحكم الحالية في تركيا والتلويح بحل حزب «العدالة والتنمية» نهج دأب عليه الجيش والقضاة في مواجهة كل من يشتبه بـ «مناهضته» للعلمانية التي بدأ تاريخها في الدولة التي كانت مركزا للخلافة الإسلامية قبل نحو 84 عاماً، عبر أجيال من التحول عن الموروث العثماني الإسلامي إلى ولادة العلمانية التركية استمر أكثر من نصف قرن من الانكسار الذاتي أمام أوروبا القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الأولى. شهدت خلالها تركيا ردة بين بعض النخب السياسية والفكرية المتأثرة بالمدارس الفكرية الفرنسية، والتي أثير جدل طويل بشأن أهداف بعضها ودورها في رسم الجغرافيا السياسية الجديدة التي ورثت الامبراطورية الشرقية «المريضة» لصالح الغرب والحركة الصهيونية في فلسطين.

هذا الحراك الفكري الجديد كان رد فعل طبيعي على استحكام الفساد وهيمنة مصالح أكثر من 23 جماعة عرقية ومذهبية في الأناضول وحدها (تركيا الحالية) على مصلحة الخلافة، وسعت هذه النخب لتغير ذلك الواقع بقطع كل صلة وإطلاق حملة الحداثة كمفهوم نخبوي يعالج مركبات الوعي بالقومية (الطورانية) أو التتريك، والذي حمل لواءه حركتا «الاتحاد والترقي» و«تركيا الفتاة» واللتان مهدتا بعد الهزيمة في الحرب العالمية الأولى إلى فتح الباب على مصراعيه أمام الكمالية نسبة إلى مؤسسة الجمهورية الحديثة مصطفى كمال (أتاتورك) 1923 لقطع الصلة بين تركيا والحضارة الإسلامية، وإلغاء الخلافة بعد توقيع معاهدة «سيفر» مع الحلفاء.

وعرفت تركيا عبر تلك السنين الـ 15، التي حكم بها أتاتورك حتى توفي العام 1938، طريقها إلى النهضة والتي شكلت الأساس الجديد لمقارعة الغرب الند بالند، إلا أن سياسة أتاتورك الموصوفة بـ «الاستئصالية»، خلفت جراحاً عميقة في هوية الأتراك لنفضها كل صلة بالحافظة اللازمة للوعي الجمعي لأي أمة وقهر رموزها المستمدة في حالة تركيا من موروثها الإسلامي والعربي. وباستحالة المواجهة العلنية بين أجهزة السلطة الحداثية ورجال دعوة تقليديين أو من أصول كردية يسهل وصفهم بالانفصاليين كحركة سعيد الكردي، تحول الزعماء الدينيون إلى الفتوى والدعوة السرية، فظهر سلمان حلمي الذي أنشأ مزارع بعيدة عن المدن ونشر أتباعه في القرى.

ورغم ذلك فإن مسيرة العلمانية في تركيا عجزت عن خلق مجتمع علماني بالكامل. ويعزو الأديب التركي الراحل عزيز نسين عزوف نسبة كبيرة من الأتراك عن العلمانية لكون تركيا «لم تمرّ بعصر تنويري»، فيما يلخص أستاذ التاريخ واللغة التركية في الجامعة اللبنانية محمد نور الدين جذور الأزمة بأن «العلمنة الكمالية لم تفصل الدين عن الدولة، بل فرضت سلطة الدولة على الدين».

كما أن العلمانية التركية سعت للسيطرة على الدين وتوظيفه وليس الانفصال عنه، إذ حزب «الشعب الجمهوري» الذي ورث تركة اتاتورك بزعامة عصمت أينونو في أربعينات القرن الماضي اضطر إلى العودة إلى الدين واستخدامه لمواجهة الشيوعية، وبالمقابل استخدم منافسه زعيم الحزب الديمقراطي عدنان مندريس خطاباً دينياً لاستقطاب الناخبين وسمح للاتراك بالحج.

وكذلك فعل قادة انقلاب 12 سبتمبر 1980 الذين كانوا «شيوخاً» جددا، فوضع قائدهم كنعان إيفرين مادة التعليم الديني الالزامي في الدستور.. وحفظ «الوحدة الوطنية». وعندما استلمت زعيم «الطريق القويم» تانسو تشيلر كأول امرأة رئاسة الحكومة العام 1993 كانت تكثر من الظهور وهي ترتدي غطاء الرأس أثناء تلاوة القرآن لتبقى على صلة قوية بالناخبين الإسلاميين. وفي المقابل، لم يكن الإسلاميون بمنأى عن توظيف العلمانية لمصالحهم السياسية، وفي سبيل وصولهم إلى السلطة تراجعوا عن ابتزاز تشيلر بورقة الفساد وتحالفوا معها في العام 1996 لترأس الحكومة.

إلا أن السؤال كيف استطاع الإسلاميون أن يقارعوا العلمانيين بل ويصبحوا القوة الرئيسية الوحيدة في تركيا؟. يعود الفضل في ذلك إلى كسر السياسيين العلمانيين أنفسهم احتكار الدولة للاقتصاد، وإطلاق «الثورة الخضراء» والتي شكلت رأس المال الإسلامي الذي وقف خلف الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان وحزبه الأول «النظام الوطني».

ما انعكس تعاظماً في حضور وتأثير المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية الإسلامية وتكوين قاعدة شعبية كبيرة لاربكان الذي استفاد أيضاً من سماح السلطات التركية للحركات الصوفية كتعبير وحيد وعلني للمظاهر الإسلامية. ولخّصت مجلة «آنت» الليبرالية في 3 يونيو 1969 حالة صعود أربكان بأنها «نتاج صراع واضح بين فئتين: فئة التجار الماسونيين وفئة التجار من الإخوان المسلمين».

وبرغم المزايا التي اقتنصها الإسلاميون من التحولات التي فرضت على السلطة العلمانية في تركيا، إلا أن نموذج أربكان للحكم اصطدم أكثر من مرة من الجيش (حراس العلمانية) ما أدى خروجه من السياسة نهائيا ليحل محله نهج أكثر اعتدالا ممثلاً بحزب «العدالة والتنمية» المنشق عن اربكان برئاسة رجب طيب أردوغان ليصبح الممثل الوحيد لخط الإسلام السياسي المعتدل في تركيا والذي يخوض الآن نفس السيناريو الذي عاشه أربكان.

مسيرة زعيم

أربكان.. خسر جميع الجولات

من خلال أحزاب «النظام» أو «السلامة» أو «الرفاه» قدم الزعيم الإسلامي المهندس نجم الدين أربكان نماذج عدة لمقارعة العلمانيين منذ صعوده السياسي في أواخر الستينات، إلا انه في جميعها لم يصمد أمام الجيش والمحكمة الدستورية.

حيث أجبر على حلّ حزبه الأول في مطلع السبعينات بقرار قضائي بعد إنذار من قائد الجيش محسن باتور، فقام أربكان بتأسيس حزب «السلامة الوطني» العام 1972، إلا أن أربكان تمادى بحسب فهم العلمانيين لأنه دعا خلال تلك الحكومة إلى حظر الماسونية وسحب الثقة من وزير الخارجية خير الدين أركمان لعلاقته مع إسرائيل. ما أدى إلى وصم أربكان بالتشدد وإدخاله السجن ثلاث سنوات.

وبعد غياب 15 عاماً عاد الصدام مع الجيش الذي قاد انقلابا رمزياً في 28 فبراير 1997 بتقديم مجموعة طلبات إلى اربكان تتضمن ما وصفوه مكافحة الرجعية، فكان أن اضطر أربكان إلى الاستقالة من منصبه ليتم بعد ذلك حظر حزبه ومنعه من العمل السياسي لمدة خمسة اعوام.

لكن أربكان لم يغادر الساحة السياسية ولجأ إلى المخرج التقليدي ليؤسس حزباً جديداً باسم «الفضيلة» لكن هذا الحزب تعرض للحظر في العام 2000 وصدر حكم على اربكان بالسجن لمدة عام. ومن جديد يعود أربكان ليؤسس في العام 2003 حزب «السعادة»، لكنه مالبث ان اعتقل وحوكم في نفس العام بتهمة اختلاس أموال، وحكم عليه بالسجن عامين، ليخرج من دائرة العمل السياسي نهائياً.

سيناريوهات متعددة تحاصر مستقبل زعماء «العدالة والتنمية»

رفع رئيس الأركان التركي الأسبق، الذي انتهت ولايته في أغسطس 2002، الجنرال حسين كيفريك شعار «حرب الألف عام» ضد الإسلاميين، ما اعتبر مؤشراً على أن مأزق العلمانية التركية وأدواتها (العسكر ـ القضاء ـ اليمين المدني المتشدد) في التعاطي مع «الآخر» الإسلامي لا نهاية له، وجاءت هذه التصريحات بعدما اكتسح حزب «العدالة والتنمية» الانتخابات النيابية في العام 2002.

وحصل على 356 مقعدا من أصل 550، ما مهد لعودة أردوغان إلى الواجهة السياسية من جديد بعد أن أقر البرلمان التركي في 27 ديسمبر 2002 تعديلات على الدستور سمحت له بأن يتولى مقعداً نيابياً وتولي منصب رئيس الوزراء بعد أن كان محظورا عليه ذلك لدخوله السجن في العام 1999 بسبب قراءته لأبيات شعرية للأديب محمد عاكف تنتقد أتاتورك وتزخر بالكلمات الجهادية.

وجاءت رحلة صعود «العدالة والتنمية» إلى السلطة في لحظة استثنائية، ذلك أن معظم الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة التركية تعاني من «إفلاس سياسي». ترافق ذلك مع إخفاق اقتصادي أفضى إلى أزمات متتالية، ونجح هذا الحزب الموصوف بأنه «حزب الفقراء» بأن يوازن بين علاقته مع الغرب وإسرائيل والعالم العربي، ونجح في تجاوز غمامة منع استخدام الأراضي التركية ممراً للقوات الأميركية في الحرب على العراق، كما أن الحزب استفاد من إخفاق الدولة في حل الأزمة الكردية لينفذ مخططه بدمجهم على قاعدة الدين في الوطن الواحدوالسماح باستخدام اللغة الكردية في وسائل الإعلام.

كما استفاد زعيم الحزب رجب طيب أردوغان من تجربة «الرفاه» وإخفاق حزب «السعادة» آخر نموذج إسلامي لأربكان حاول تطبيق البرنامج الإسلامي بخطابات دينية. إلا أن التوتر ساد بين حكومة أردوغان والعلمانيين بعد صعود قضية الحجاب إلى الواجهة من جديد ومسألة الإبقاء على حظر ارتدائه في المؤسسات العامة والجامعات. إلا أن القشة التي قسمت ظهر البعير كانت مع إصرار الحزب على تولي عبدالله غول رئاسة الدولة خلفا للرئيس أحمد نجدت سيزر، ما أدى إلى تدخل الجيش وتوجيهه إنذاراً في 27 أبريل 2007 لمنع وصول غول إلى رئاسة الجمهورية.

وكان رد الإسلاميين بإجراء انتخابات مبكرة جاءت نتائجها بانتصار كاسح في الانتخابات النيابية المبكرة التي جرت في 22 يوليو 2007 التي أكدت استمرار حزب العدالة والتنمية في السلطة وانتخاب غول رئيساً. وحصل «العدالة والتنمية» على 342 مقعداً في البرلمان ورغم أنه خسر بعض المقاعد من برلمان 2002 إلا أن النتائج عكست الثقل الشعبي القوي الذي يستند عليه الحزب.

ما دفع القوى العلمانية (حزب الشعب الجمهوري) بقيادة دينز بايكال للجوء إلى المحكمة الدستورية في 14 مارس 2008 وطلب حظر «العدالة والتنمية». ومنذ ذلك التاريخ ومصير تركيا بين أيدي 11 قاضيا هم أعضاء المحكمة الدستورية والذين ردوا مؤخراً قانونا برلمانيا أجاز الحجاب للفتيات في الجامعات.

ومن خلال السوابق المسجلة في تركيا، نجد أنه لم يحصل أن نفذ حزب إسلامي من أي دعوى قضائية رفعت عليه لحظره، والمتوقع أن تصدر المحكمة قرارا بحظر الحزب ومنع 71 من قادته بينهم أردوغان من ممارسة العمل السياسي لفترات متفاوتة تصل إلى مدة خمس سنوات. فيما من المرجح أن يبقى غول بمنصبه لأن الرئيس لا يعزل دستورياً إلا بتهمة الخيانة العظمى.

ومن السيناريوهات المحتملة أن تلجأ الحكومة إلى انتخابات مبكرة بحيث يتاح لأردوغان الترشح بصفة مستقل وهو ما يتيحه له القانون الحالي. ولعل من التكتيكات التي يدرسها أردوغان العمل على إقرار تعديلات دستورية تبطل الأحكام القانونية بحقه وحق القادة الآخرين.

ومن الآن وإلى صدور قرار المحكمة المتوقع قريباً لم يبق أمام «العدالة والتنمية» سوى الرهان على ضغوطات خارجية أوروبية وأميركية لمنع حظره. كما يتوقع أن يوظف «العدالة والتنمية» مسألة الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل لمنع انهيار حكومته حتى لا تنهار الوساطة التركية خصوصا أن أردوغان نفسه هو الذي يتولى هذه الوساطة عبر كبير مستشاريه أحمد داوود أوغلو.مصالح اسلاميو تركيا..

وعلاقات باردة مع إسرائيل رغم تصويتها ضد قرار التقسيم، تعتبر تركيا أول دولة اسلامية تعترف بإسرائيل، وتقيم معها علاقات تطورت إلى تحالف في الخمسينات ضد سوريا ومصر، وما لبث ان انحسر هذا التناغم حتى نشط مجدداً في عهد حكم الاسلاميين بعقد اتفاقية أمنية وعسكرية بين الجانبين في العام 1996 والتي تمتعت اسرائيل بموجبها ولو نظريا بميزة الاستخدام المشروط للاجواء التركية لتهديد سوريا وإيران.

وعلى الرغم من توثيق العلاقات العسكرية والاقتصادية فإن العلاقات في محورها السياسي لم تمضِ بنفس القوة، خاصة بعد اعتلاء حزب العدالة والتنمية سدة الحكم لأول مرة العام 2002، وإن كان ذلك مرتبطا بالمصالح التركية أكثر منه استجابة للخطاب الاسلامي.

إذ أن أنقرة بدلت مواقفها تجاه اسرائيل بعد الغزو الأميركي للعراق العام 2003 خوفاً من التهديد الذي مثله الدعم الاسرائيلي لاقليم كردستان العراق، إلا أن ذلك لم يمنع من تنشيط هذه العلاقات في العام 2005 عقب الزيارة الدافئة التي قام بها نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي حينها إيهود أولمرت إلى انقرة ورد عليها اردوغان بزيارة مماثلة إلى اسرائيل لكن أقل دفئا.

دبي ـ رامي سلامة