وضعت نية المحكمة الجنائية الدولية توجيه الاتهام إلى مسؤولين سودانيين جدد، بينهم الرئيس عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم ضد المدنيين في دارفور الحكومة السودانية أمام مأزق تسعى للالتفاف عليه وإفشاله، وكانت البداية بالبحث عن الغطاء العربي، في حين لجأت أمس إلى الغطاء الشعبي حيث حشدت السلطات مئات المتظاهرين ضد القرار باعتباره قراراً سياسياً، وفي سعي لمناهضته عبر الوسائل المتاحة وهي جلّها سياسية دبلوماسية.
القرار المتوقع صدوره اليوم من المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو اوكامبو لا يزال يثير منذ بداية التلويح به مساء الخميس ردود أفعال واسعة. ووضح منذ تفجر المشكلة أن السودانيين يسعون إلى دعم دولي أكبر لإحباط أوامر الاعتقال، حيث بدأت الخرطوم اتصالات مكثفة مع كل من الصين وروسيا استناداً إلى دعمهما غير الرسمي للسودان في هذه القضية، بالإضافة إلى التضامن الكبير الذي أبدته الدول العربية والاتحاد الإفريقي الذي حذر بشدة من الإقدام على هذه الخطوة ووصفها بأنها ستنعكس سلباً على القارة كلها ومن الممكن أن تهدد السلام فيها.وفي مواجهة المأزق السياسي المدعوم من الغرب، عقدت الحكومة السودانية أمس اجتماعا طارئاً قبل 24 ساعة من الإعلان المرتقب للمحكمة الجنائية الدولية.
وعقد كبار المسؤولين السودانيين اجتماعات عدة متتالية خلال نهاية الأسبوع الماضي في محاولة للظهور كصف واحد قبل القرار الذي سيعلنه المدعي اوكامبو، وعقد أعضاء في حزب البشير (المؤتمر الوطني) والحركة الشعبية لتحرير السودان (متمردو الجنوب سابقاً والأعضاء في الحكومة) الاجتماعات شأنهم شأن أحزاب المعارضة، بهدف تحضير «امة سودانية موحدة» في وجه ما سيأتي من لاهاي.وحذر السودان، على لسان وزير الدولة للشؤون الخارجية السماني الوسيلة، من أي إجراء في المحكمة الجنائية قد «ينال من عملية السلام» في دارفور، مضيفاً أن بلاده «في هذه الحال لن يتعاون السودان أبدا مع المحكمة الجنائية».
آراء قانونية وسياسية
ورغم أن خبراء القانون الدولي أكدوا خلال استطلاع أجرته معهم «البيان» وشمل العديد من الخبراء والسياسيين بأن المحكمة من حقها أن تطلب من قضاتها استصدار أمر بمثول أي مسؤول في أي دولة حتى ولو كانت الدولة غير موقعة، إلا أن خبراء آخرين أكدوا بأن رئيس الدولة يمتلك الحصانة طالما هو على رأس السلطة، فيما اعتبر خبراء إستراتيجيون القرار يلحق أضرارا بالغة بقضية دارفور.
واتفق الخبراء (استراتيجيون وقانونيون وسياسيون) على أن توجيه الاتهام للبشير بمثابة محاولة أولية لهز شرعية نظامه وإرباك العملية السياسية في السودان ومن ثم تفويض النظام.
وقال خبير الشؤون السودانية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية هاني رسلان إن عمل المحكمة الدولية تجاه السودان وأزمة دارفور على وجه الخصوص يقع تحت تأثير جماعات الضغط واللوبيات الصهيونية المتنافرة في أميركا، وتحالف إنقاذ دارفور.
وأضاف أن «ما يفعله أوكامبو المدعي العام للمحكمة يلحق أضراراً فادحة بأزمة دارفور»، موضحاً أن القرار الأخير حال صدوره يقطع الطريق على أي تسوية محتملة، فضلاً عن أنه يوجه رسالة للأطراف الإقليمية والجماعات المسلحة في السودان بالمماطلة في عملية التسوية.
وأوضح رسلان أن توجيه الاتهام رسمياً للبشير يؤدي إلى هز شرعية نظام جبهة الإنقاذ وإرباك جميع العمليات السياسية داخل السودان انتهاء بتقويض النظام عبر محاصرته إقليمياً ودولياً، وتأليب الحركات السودانية المعارضة ضده، لافتاً إلى أن هذا القرار يأتي في وقت يمر فيه السودان بفترة انتقالية حساسة للغاية تتعلق بإجراء اتفاق السلام، وإجراء الانتخابات المقررة 2009، وحق تقرير المصير 2011.
وبالتالي فإن الهدف من توجيه الاتهام الذي تم بمساعدة أميركية وإسرائيلية مباشرة، يعني استهدافا مباشراً، وذا طبيعة استئصاليه لنظام الإنقاذ، وكذلك يهدف إلى تفكيك السودان أو تجزئته من الداخل، وهذا الأمر له انعكاسات هائلة إقليمية ودولية سواء على دول الاتحاد الإفريقي أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو الجامعة العربية.
وعلى حد تعبيره فإنه من الممكن لو حدث نوع من الضغط الدبلوماسي المكثف أن يتم إيقاف عمل المحكمة طبقا للمادة 16 من اتفاقية إنشائها، والتي تقول إنه يجوز أن يتم إيقاف عمل المحكمة حال أدى الاستمرار في عملها إلى إعاقة عملية التسوية، وهى المادة التي يستند إليها الاتحاد الإفريقي في تحركاته تجاه الدفاع عن السودان ووحدة أراضيه.
وما طرحه هاني رسلان في مضمونه يؤكد بقوة ما ذهب إليه العديد من المحللين الغربيين الذين حذروا من الخوض في مسألة توجيه الاتهام للرئيس السوداني ومن بينهم الخبير في شؤون السودان في مجلس أبحاث علم الاجتماع ومقره نيويورك اليكس دي وال الذي قال إن ملاحقة كبار المسؤولين السودانيين قد يزيد جرأة المتمردين ويعيد إشعال الصراع في دارفور.
وقال وال إن «البشير شخص يعتز بنفسه وينزع إلى الغضب والانفعال الشديد وسيرد على الانتقاص من قدره بشراسة.. الاحتمال بأن يرد بشكل عدواني بالغ وارد للغاية ومثله في ذلك احتمالات الاستقطاب وسفك الدماء».
لكن رئيس الجمعية الإفريقية السفير أحمد حجاج، الذي سبق أن عمل مبعوثا خاصا للرئيس المصري في دارفور، اعتبر المسألة سياسية في المقام الأول وليس لها علاقة بعمل المحكمة الجنائية الدولية، لافتاً إلى أن محاولة استصدار مذكرة بحق البشير ما هي إلا عملية جس نبض لحكومة السودان والأطراف العربية والإفريقية عموما لمعرفة رد فعل الحكومة السودانية من جهة وردود الأفعال الدولية والإقليمية من جهة أخرى قبل إصدار القرار بشكله النهائي.
وقال حجاج إن المحكمة الجنائية الدولية تعودت الضغط من حين لآخر على السودان لإجباره على تنفيذ قرارات دولية، أو إخضاعه لتوجهات تخدم أغراض تحقق لهم أهدافهم، لكنه شدد في المقابل على ضرورة تسليم السودان المتهمين بارتكاب جرائم حرب إلى المحكمة الجنائية الدولية، كحل مبدئي للخروج من المأزق الراهن.
ورغم أن البعض يتفق مع السفير حجاج على أن عملية جس النبض واردة في هذه الحالة إلا أن البعض الآخر رأى أن تحرك المحكمة في هذا التوقيت بهذه القوة ومحاولة توقيف الرئيس السوداني مسنود بقوة إقليمية ودولية قوية ولابد من التحسب لكل خطوة قادمة وربما تكون مفاجأة، ونصحوا بتحرك دولي وإقليمي مضاد لإجهاض أي محاولة يمكن أن تنعكس على السودان والقارة الإفريقية بصفة عامة.
وهذا ما لمح إليه أستاذ القانون الدولي د. صلاح الدين عامر الذي أشار إلى أن ملف دارفور محول إلى المحكمة الجنائية الدولية من قبل مجلس الأمن ولذلك فإن المحكمة الجنائية الدولية تملك حق الطلب من قضاتها استصدار الأمر.
لكن من ناحية أخرى، فإن استصدار هذا القرار في هذا التوقيت يطرح تساؤلات مهمة تتعلق بالتسريبات الصحافية من واشنطن وليس من أي مكان آخر.
ولكن رأي مساعد وزير الخارجية المصري الخبير السياسي والقانوني السابق السفير عبدالله الأشعل جاء مطمئنا لجهة إمكانية إفلات الرئيس السوداني من القائمة المتوقع صدورها اليوم من الناحية الموضوعية، ولكن من الناحية العملية هناك بند في القانون الدولي يقضي بحصانة رئيس الدولة ورئيس الحكومة ووزير الخارجية كما حدث في العام 2003 عندما رفعت الكونغو دعوى أمام المحكمة الدولية ضد بلجيكا لرغبة الأخيرة في محاكمة وزير الخارجية حيث أصدرت المحكمة الدولية بلاهاي ما يؤكد حصانة وزير خارجية الكونغو.
وأشار إلى أن السودان من حقه رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية بسبب ما سببه العمل الطائش للمدعي العام للمحكمة الجنائية، ومما لحق بالسودان من أضرار نتيجة هذا القرار.
وأوضح الأشعل أن من التداعيات المترتبة على هذا القرار، هو أن تتوقف الدول العربية عن الانضمام إلى المحكمة الجنائية بعدما تم تسييس المحكمة، وهي أول محكمة جنائية دولية تلاقي ها الرفض غير المسبوق من الانضمام إليها.
ورأى أن أمام السودان العديد من الخيارات والإجراءات التي يمكن أن يجد من خلالها مخرجا ومساندة عريضة من الناحية العملية ولكن هناك في الوقت ذاته اتفاقا كبيرا من كثير من المحللين والخبراء والدبلوماسيين بأن القرار سياسي وبالتالي لا يخضع إلى منطق القانون بأي حال من الأحوال، ولذلك فإن صدوره لم يكن من فراغ وربما تتبعه إجراءات محددة ومتفق عليها لجر السودان إلى فوضى سياسية ينفذ منها من وراء القرار لفرض التغيير الذي يعملون له منذ سنوات طويلة.
رسالة خاطئة
ومن جانب الحكومة السودانية يبدو أن نائب رئيس البعثة الدبلوماسية السودانية في القاهرة السفير إدريس سليمان يسير في نفس الخط الرسمي من حيث التعامل مع القضية والرافض لمبدأ التسليم من أساسه، مستندا إلى رأي كثير من الأطراف الدولية الذي يؤكد بأنه لا سبيل لحل الأزمة في دارفور إلا عبر الحل السياسي عن طريق مفاوضات بين الحكومة السودانية وحركات التمرد.
ووصف سليمان قرار المحكمة الجنائية الدولية بأنها ترسل رسائل خاطئة إلى القوى التي تحمل السلاح في الإقليم بأنها تقف وراءها، وذلك في محاولة لإلقاء التهم جزافاً علي المسؤولين السودانيين، ما يؤدى إلى تأجيج الصراع في دارفور وليس حسمه، لكن على حد تعبيره فلائحة الاتهامات التي تصدرها المحكمة لن تؤثر في السودان أو الحكومة السودانية.
اتصال من كي مون
تلقى الرئيس السوداني المشير عمر حسن أحمد البشير اتصالا هاتفيا من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أبدى خلاله قلقه إزاء تحركات المحكمة الجنائية الدولية تجاه السودان.
وقال السكرتير الصحافي للرئيس السوداني محجوب فضل بدري إن بان كي مون أكد للبشير أن «الأمم المتحدة ستتعاون مع السودان وفقا للتفاهمات والاتفاقيات الدولية الموقعة»، مطالبا بتوفير الحماية اللازمة لبعثة حفظ السلام عقب الاعتداء الذي قام به متمردون الأسبوع الماضي، مؤكداً على استعداده لإجراء اتصالات لاحتواء تقرير المدعى العام للمحكمة الجنائية.
وأضاف السكرتير الصحافي ان البشير أكد للأمين العام للأمم المتحدة التزام السودان بالمواثيق والاتفاقيات الموقعة مع الأمم المتحدة مقابل أن تتحمل الأمم المتحدة مسؤوليتها في الحفاظ على سيادة السودان كدولة، مؤكدا ضرورة التنسيق بين قوات حفظ السلام والقوات المسلحة لتفادي مثل هذه الخروقات.
تهامات بريطانية
أفادت هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) بأنها كشفت دليلا يثبت أن الصين انتهكت حظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة في دارفور من خلال تقديم مساعدة عسكرية للحكومة السودانية في الإقليم.
وأضافت الإذاعة البريطانية في موقعها على شبكة الانترنت أنها اكتشفت شاحنتين عسكريتين صينيتين في الإقليم المضطرب في غرب السودان ومثبت بهما مدافع مضادة للطائرات، وأشارت إلى أن إحدى هاتين الشاحنتين في حوزة المتمردين حيث استولوا عليها من القوات السودانية.
وتشير علامات على الشاحنتين إلى أنها في إطار دفعة من 212 شاحنة دونغ فينغ العسكرية والتي اقتفت الأمم المتحدة أثرها وعلمت أنها وصلت السودان في العام 2005 بعد إصدار حظر على السلاح في دارفور.
وذكرت الإذاعة أنها علمت أن الصين تدرب طيارين حربيين يقودون طائرات مقاتلة صينية من طراز «إي. 5 فانتان» في دارفور. وتقول الأمم المتحدة إن ما يصل إلى 300 ألف شخص قتلوا وتم تشريد 5, 2 مليون آخرين خلال خمس سنوات من الصراع.
الأحزاب العربية تستنكر هدف «المحكمة الجنائية»
أدانت الأمانة العامة للمؤتمر العام للأحزاب العربية الاتهام الذي يحاول مدعي عام المحكمة الجنائية توجيهه إلى عدد من كبار المسؤولين في السودان وفي مقدمتهم الرئيس عمر البشير معتبرة إياه مؤامرة على الشعب السوداني وسيادته ووحدته.
وطالبت الأمانة في بيان أصدرته أمس كل الأحزاب والقوى الوطنية السودانية أن تتسامى عن سائر الخلافات الثانوية واخذ موقف الدعم والتضامن مع السودان رئيسا وقيادة وشعبا داعية الجامعة العربية إلى إعلان إدانة هذا الاتهام.
ودعت الأمانة العامة الدول العربية إلى «التضامن الحقيقي» مع السودان في مواجهة هذا الإجراء الذي وصفته بالخطير وإعلان رفضها وإدانتها له. وشددت على ضرورة أن تعدل الأمم المتحدة عن هذا الادعاء الزائف وإلا فإنهم لن يعتبرونها محكمة للحق والعدل بل هيئة شريكة في الجرائم التي ترتكب بحق الأمة.
وأضافت الأمانة ان «هذا الاتهام الزائف تدخل سافر في الشؤون الداخلية للسودان وخطوة تآمرية جديدة تحاول بها المحكمة قطع الطريق على الخطوات التي اتخذتها الأحزاب والقوى السودانية على طريق تعزيز الديمقراطية والوحدة الوطنية». وزادت أن «هذه الخطوة تصب الزيت على نار المؤامرات الأجنبية في سعيها لتأجيج الخلافات والانقسامات وإفشال الانتخابات المقبلة وإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار».
تشاد تتهم السودان بانتهاك مجالها الجوي
اتهمت الحكومة التشادية أمس السودان بانتهاك مجالها الجوي بتحليق طائرات سودانية فوق بلدة تشادية على الحدود بينهما، وقالت إنها لن تتسامح مع مزيد من الانتهاكات لأراضيها.
وقال وزير الإعلام التشادي محمد حسين في بيان صدر في ساعة متأخرة من ليل السبت «القوات الجوية السودانية أجرت طلعات جوية كثيرة فوق باهاي (تشاد) خلال الأيام القليلة الماضية».
وأضاف ان طائرة عسكرية سودانية من نوع «أنتونوف» حلقت فوق باهاي على ارتفاع منخفض يوم الجمعة، مشيرا إلى أن التوغل الجوي كان في كثير من الأحيان استعدادا لهجمات على الأرض.
عمان ـ لقمان إسكندر


