أنهى اللقاء الرباعي الذي عقد أمس في العاصمة الفرنسية باريس وضم كلاً من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والرئيس السوري بشار الأسد والرئيس اللبناني ميشال سليمان وأمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني الجفاء السوري الفرنسي على خلفية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
ويأتي الاجتماع عشية بدء قمة الاتحاد من أجل المتوسط الذي يبدأ اليوم بمشاركة قادة 44 دولة التي ستجمع الرئيس السوري ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت إلى طاولة واحدة، وسط تنسيق عربي لمنح الجامعة العربية صفة مراقب، وإدراج مبادرة السلام العربية في الإعلان الختامي للقمة.وخطف اللقاء الرباعي الذي أعاد سوريا للمشهد الدولي بعد سنوات من الضغوط الأضواء عن المشروع الذي عمل الرئيس الفرنسي منذ توليه الرئاسة على إطلاقه.وكان الرئيس الفرنسي وعد باستقبال الأسد بعد انتخاب ميشال سليمان رئيسا للبنان.
والتقى ساركوزي والأسد بحضور كل من الرئيس سليمان، وأمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني، ما اعتبر مقدمة لاستعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهو ما كان أكده مصدر سوري قبل أيام من زيارة الأسد لفرنسا. وأعلن ساركوزي عقب الاجتماع عن رغبة الأسد وسليمان في إقامة علاقات دبلوماسية وتبادل السفراء.
وتأتي هذه الانفراجة في العلاقات السورية الفرنسية بعد الإشادة الفرنسية بدور سوريا في حل الأزمة اللبنانية من خلال تمرير اتفاق الدوحة وانتخاب العماد ميشيل سيلمان رئيسا للبنان والاتفاق على التشكيلة الحكومية أول من أمس، بالإضافة إلى الجهود السورية في تمرير اتفاق التهدئة في قطاع غزة.
وكان الرئيس السوري أكد قبيل وصوله فرنسا أن ما تطلبه دمشق من باريس هو أن تكون دولة فاعلة في إطار عملية السلام، وخاصة إذا توصلنا إلى الانتقال من المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل إلى المفاوضات المباشرة إضافة إلى الاهتمام بالشراكة السورية الفرنسية.
وقال الأسد في حديث لصحيفة «اللومانيتيه» الفرنسية إن العلاقات الثنائية تتطلب المزيد من الحوارات السياسية وتطوير العلاقات الاقتصادية في مجال التنقيب عن النفط والطاقة الكهربائية والمواصلات والطيران والمبادلات التجارية بشكل عام.
وكان الرئيس الفرنسي التقى على حدة كلاً من الرئيس اللبناني العماد ميشيل سليمان وأمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني.
كما التقى ساركوزي على غداء عمل أمس مع نظيره المصري حسني مبارك الذي سيتولى معه اليوم رئاسة قمة إطلاق «الاتحاد من اجل المتوسط».
وتجمع قمة باريس التي تنعقد اليوم الكثير من التناقضات السياسية على طاولة واحدة، تطلبت من الرئيس الفرنسي بذل جهود استمرت حتى اللحظات الأخيرة، وتكثيف اتصالاته الهاتفية وإرسال العديد من المبعوثين، للتمكن من جمع دول عارض بعضها المشروع في بدايته، أو متخاصمة فيما بينها، أو منخرطة في منافسة منذ عقود.
إذ يجلس الرئيس السوري بشار الأسد خلال افتتاح القمة إلى طاولة واحدة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود اولمرت للمرة الأولى، رغم المسافة التي تفصل بينهما. وأوضح دبلوماسي فرنسي أن الخصمين «سيجلسان إلى الطاولة ذاتها، وهي مستديرة، لكنهما لن يكونا جنبا إلى جنب»، مشيرا إلى أنهما سيكونان متباعدين بحكم الترتيب الأبجدي. مشيراً إلى أن «إسرائيل ستكون بين ايرلندا وايطاليا أما سوريا فستكون إلى جانب تركيا».
وأوضح العضو في مرصد الدول العربية في باريس انطون بصبوص انه «بالنسبة للأسد فان مقابلة اولمرت تعني القطيعة مع مجمل ارثه» في حين أن «اولمرت، بالمقابل، كان سيرمي بنفسه في أحضان الأسد لو استطاع لأنه يعيش صعوبات داخلية» بسبب قضية فساد.
من جهة أخرى غاب عن القمة الزعيم الليبي معمر القذافي الذي كان استقبل بمنتهى التقدير من قبل ساركوزي في ديسمبر الماضي، وجدد القذافي انتقاده الأربعاء الماضي للمشروع الفرنسي ووصفه ب«المخيف والخطر» مهاجما القادة العرب المشاركين في القمة.
كما أبدى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة القليل من الحماس للقمة، ولم ينه حالة الترقب بشأن حضوره إلا الاثنين خلال لقاء على انفراد مع ساركوزي في قمة مجموعة الثماني في اليابان. وقال دبلوماسي عربي متهكما انه ترقب «لا يطاق».
ومن المسائل المثيرة للقلق بالنسبة للاتحاد من اجل المتوسط حالة التنافس التي تشل اتحاد المغرب العربي (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) والتي لم تتوصل إلى تفاهم فيما بينها بشأن الدولة التي ستستضيف الأمانة العامة للاتحاد من اجل المتوسط.
وقال الدبلوماسي الفرنسي «تونس مرشحة والمغرب مرشحة وليس هناك اتفاق».
بيد أن معظم القادة العرب لم يتبعوا سياسة الكرسي الشاغر التي اختارها القذافي. وقال دبلوماسي مغاربي إن هؤلاء القادة اعتبروا انه «من الأفضل أن يكونوا داخل الاتحاد بدلا من البقاء خارجه وانتقاده».
من جهة أخرى، عقد وزراء خارجية الدول العربية المتوسطية أمس اجتماعا في منزل السفير المصري في باريس لمناقشة الإعلان الختامي للقمة التي ستطلق «الاتحاد من اجل المتوسط».
ونقلت وكالة «فرانس برس» عن مصدر دبلوماسي عربي في باريس ان ممثلي الجزائر ومصر والأردن ولبنان وليبيا والمغرب وموريتانيا وسوريا وتونس والسلطة الفلسطينية اجتمعوا للبحث في «بعض النقاط التي ما زالت موضع نقاش» في مشروع الإعلان الختامي الذي يقع في 33 نقطة.
وبحث الوزراء العرب خصوصا في مسألة منح الجامعة العربية وضع مراقب في هذه الشراكة الجديدة، وإدراج مبادرة السلام العربية في الإعلان الختامي «كعنصر أساسي لدفع عملية السلام قدما».
ويأتي اجتماع وزراء خارجية الدول العربية المتوسطية قبل اجتماع موسع اليوم لوزراء خارجية الدول ال34 المشاركة في القمة التي ستطلق «الاتحاد من اجل المتوسط» غداً.
إلى ذلك يتوقع المراقبون أن يشهد المشروع الكثير من العقبات الناتجة عن تضارب الأولويات بين دول شمال وجنوب المتوسط.
إذ سيقترح الأوروبيون اليوم بعض المشاريع الرائدة، مثل إزالة التلوث في المتوسط وطرق بحرية سريعة والطاقة الشمسية، يتوقع أن تلقى دعم شركائهم الجنوبيين.
لكن كل هذه المشاريع وأخرى قد تقترحها بلدان مختلفة في الجنوب أثناء القمة يتطلب مبالغ ضخمة.
لذلك توقع مصدر أوروبي أن تتفق الدول المشاركة على اختيار بعض منها فقط مثل المشاريع التي تحظى بالأولوية للبدء بتنفيذها.
إلا أن الخيار لن يكون سهلا بطبيعة الحال. وفي هذا الصدد قال الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية ديدييه بيون متسائلا «إزالة التلوث في المتوسط أمر جميل جدا، لكن هل تنظر إليه الشعوب والأنظمة في الجنوب بالأهمية ذاتها مثل تلك في الشمال؟».
من جهة أخرى، دعا رئيس البرلمان الأوروبي هانز غيرت بوترنغ القمة إلى التطرق لما وصفها انتهاكات بعض الدول الواقعة جنوب البحر المتوسط لحقوق الإنسان.
كما رحب بوترنغ بحضور الأسد القمة، وقال إن سوريا تبعث من خلال هذه المشاركة برسالة مؤداها أنها تعتزم لعب دور قوي في عملية سلام الشرق الأوسط.
أنقرة تعلن دعمها للاتحاد من أجل المتوسط
أكد وزير الخارجية التركي علي باباجان أمس، أن بلاده «ستدعم بفعالية» مشروع «الاتحاد من اجل المتوسط» غير انه عبر عن الأمل في ألا تستخدم فرنسا رئاستها الاتحاد الأوروبي لتعطيل ترشح تركيا للاتحاد. وقال باباجان اثر مقابلة مع نظيره الفرنسي برنار كوشنير عشية إطلاق الاتحاد من اجل المتوسط «كما حصل مع مسار برشلونة، فان تركيا ستنخرط بفعالية في الاتحاد من اجل المتوسط».
وأضاف الوزير الذي يشارك اليوم في القمة مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان «إن تركيا تدعم هذه المبادرة. ونحن نعتقد أنها ستشجع على السلام والاستقرار والتنمية في المنطقة».
بيد ان باباجان وجه تحذيرا مبطنا لفرنسا المناهضة لدخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، بالا تستخدم الأشهر الستة التي تتولى فيها رئاسة الاتحاد لتعطيل مفاوضات انضمام أنقرة للاتحاد الأوروبي.
وقال «إن تركيا تنتظر خلال هذه الرئاسة أن يتواصل مسار انضمامها للاتحاد الأوربي بشكل عادي». وأعرب مع ذلك عن «قناعته بأنه خلال هذه الرئاسة الفرنسية ستكون لفرنسا مقاربة عادلة ومتوازنة».
وأضاف «نحن نتوقع أن يتم فتح العديد من بنود (مفاوضات الانضمام)» التركي للاتحاد الأوروبي.
وقال كوشنير من جانبه انه تم بحث «طلب انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي» و«فتح البنود التي كنا اقترحناها».

