نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة ثانية.. وربما ثالثة... عندما نُقرر لها ذلك دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد.. كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار إلى شهادات الميلاد؟

فكثير من الأشخاص لا يحب أن يقال عنه إنه وصل نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، لكن هذا الأمر عند الشعراء عكس ذلك لأنهم عشاق الآفاق المفتوحة والإبداع والسعي نحو التغيير دائماً.

وبالواقع إذا كانت خبرة الحياة هي رصيد للوقار والأفكار، فهي تلاحقنا جميعاً لذا علينا وان غزا رؤوسنا الثلج الأبيض، أن نتعلم فن التعايش مع راحة البال، ونعطي كل ساعة فرحة خاصة، إذا التقينا بأحفادنا أصبحنا منهم، وإذا رأينا أصدقاءنا ضحكنا معهم على ذكريات قديمة. ونموذج «حصاد العمر» الذي نعرضه اليوم هو دلالة على ربيع عمر متجدد، يدعو إلى الراحة بعد عناء طويل، وذلك من خلال لمعان ينعكس من عينين وروح عاشقتين للحياة.

وفي حوار مع عبد الرحمن الشاكري سنكشف أنه موسوعة قوانين وزارة العمل وأنه لم ينس أي قانون.. ولم يبخل على نفسه بالمعرفة والإحاطة بكل ما هو جديد حتى بعد سنوات التقاعد.. وتالياً نص الحوار:

ـ كيف بدأت حياتك العملية؟

التحقت بدراسة العلوم الإدارية جامعة الإسكندرية عام 1975، بهدف معرفة النظريات العلمية لأصول التجارة كي أوظفها في تنمية تجارة الوالد.

ـ وما هي طبيعة العمل؟ وما هي الوظائف التي تدرجت فيها؟

بدأت عملي في وزارة العمل والعمال عام 1980 في قسم التفتيش العمالي وكنت أراقب مدى تطبيق أحكام قانون العمل، ثم انتقلت إلى فرع الوزارة داخل سجن القاسمية في الشارقة، لمتابعة حقوق العمال وتخليصها قبل مغادرتهم الدولة، بعدها خدمت في قسم التأشيرات بالوزارة، الذي يهتم بتدقيق البيانات والتأكد من صحتها قبل عرضها على اللجنة، لأخذ الموافقة النهائية عليها، وفي آخر سنوات العمل خدمت في قسم الضمان المصرفي.

ـ كيف تنظر إلى طبيعة ذلك العمل، وما وصلت إليه؟

عملي ساعد على توسيع دائرة علاقاتي الاجتماعية، وأضاف إلى الكثير من الخبرات وفتح المجال أمامي لأخذ فكرة أكبر عن الأمور الإدارية، والفضل الأكبر في ذلك كان لعملي في مجال التفتيش الميداني، لأني تعاملت مع عدد كبير من الأشخاص والجنسيات، وواكبت التطورات الاقتصادية مع التجار، وألممت بأمور الاستيراد والتصدير.

لكني كنت اطمح للعمل في دوائر ومؤسسات دبي لأن الالتحاق بها يُغني الموظف فكرياً وعملياً، لأن الحكومة تقدر الموظف وتعطيه فرصة للارتقاء بالذات وتطوير عمله من خلال الدورات التدريبية التي تعقدها باستمرار للموظفين.

ـ هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟

نعم، بنيت علاقات واسعة وحققت أهم هدف وهو اكتساب حب الناس، وكذلك حصلت على خبرة ساعدتني على تطوير عملي الخاص واتخاذ المسار الصحيح فيه وتغير نوع تجارتي من الكترونيات إلى مواد البناء، بالإضافة إلى تعلم أكثر من لغة، بسبب اختلاطي بجنسيات كثيرة.

ـ صف أول وآخر يوم عمل لك ؟

في بداية أي عمل تواجه الشخص صعوبة معينة، فأول يوم أحسست برهبة، لأني جديد على الحياة العملية، وسأتعامل مع أشخاص لهم أذواق وآراء مختلفة، كما كنت مدير نفسي لأني كنت أعمل مع والدي وبالتالي فإن فكرة أن يكون على رأسي مدير كانت غير مقبولة في البداية، لكن سرعان ما تلاشت هذه الهواجس والحساسيات، وكنت سعيداً جداً بخوض التجربة، وبنيت علاقات طبية مع الجميع دامت لغاية هذا اليوم.

أما آخر يوم عمل فقد شهد تنفيذ قرار التقاعد وهو أمر صعب جدا على النفسً واحتاج إلى تفكير طويل مني، وعندما قررت الاستقالة عمد مديري إلى تأخير قبول استقالتي ستة أشهر، وحاول إقناعي أن أبقى على رأس عملي، لعدة أسباب، وكان أهمها أني المواطن الوحيد بالقسم بعدما تقاعد زميل آخر قبلي، لكني كنت مصرا على قراري، حيث أني اتخذته بعد تفكير طويل، ووجدت أني بعد سنوات عمل طويلة لم أخذ حقي في السلم الوظيفي، كما أن أجري اليومي من العمل أقل بكثير مما كنت سأكسبه من عملي الخاص.

ـ بعد سنوات عمل طويلة ما الحكمة التي خرجت بها؟

على الرغم من أني تعرضت للظلم من حيث حصولي على الترقيات المستحقة لي من وجهة نظري إلا أن حكمتي في الحياة هي «القناعة كنز لا يفنى»، وكذلك «الدين معاملة»، وبسبب هذه الحكمة استطاعت أن أبقى على اتصال جيد مع كل الأشخاص الذين عملت معهم.

ـ هل لك أن تلخص لنا خبرة 25 أو 30 سنة من العمل العام في جملة واحدة؟

لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، وكذلك الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، كما انني تعلمت من طبيعة العمل الحكومي الالتزام وإنجاز كل ما يوكل إلي من مهام في الوقت المحدد.

ـ ما الفائدة الثقافية أو الاجتماعية التي خرجت بها؟

من الناحية الثقافية تعلمت عدداً من اللغات، وعززت من معرفتي بالتكنولوجيا فأنا أنجز 70% من معاملتي مستعيناً بالكمبيوتر، أما اجتماعياً كما ذكرت سابقاً فقد استطعت توسيع دائرة معارفي وعلاقاتي الاجتماعية مع شريحة واسعة ومختلفة من أفراد المجتمع.

ـ ماذا تنصح الموظفين الجدد؟

الصبر وطول البال وضبط الأعصاب والقدرة على امتصاص غضب المراجعين، والقدرة على تحمل ضغط العمل خاصة في المواقف الحرجة، وأذكر أنه قبل تطوير برامج أجهزة الحاسوب كان الجهاز يتعطل يوما أو يومين، وكنا في اليوم الثالث نضطر إلى إنهاء جميع المعاملات المتراكمة في الأيام السابقة آليا وعدم تعطيل المراجعين أكثر رغم صعوبة الموقف.

ـ ما هي أصعب المواقف التي تعرضت لها بالعمل، وكيف تعاملت معها؟

موظفو قسم الضمان المصرفي كانوا قليلين، ففي حالة غياب زميلي بالعمل، أبقى وحيداً وأواجه طابورا طويلاً لا يقل عدد المراجعين فيه عن 30 شخصا، لذا كنت في هذه الحالة أغلق الهاتف المتحرك، وأحاول إنهاء معاملات أكبر عدد ممكن وبأقل مدة دون النظر إلى الطابور، وأحياناً كنت أتأخر نصف ساعة أو أكثر بعد انتهاء ساعات العمل، على رغم من إيماني بالمثل القائل ارضاء الناس غاية لا تدرك.

ـ وأجملها؟

هناك قصة الجرجير، حيث كنت في طريقي للعودة من أبوظبي إلى دبي برفقة اثنين من زملائي بالعمل بعد ساعات العمل الرسمي والقيام بعملية التفتيش.. تناولنا وجبة الغداء وتوجهنا إلى السيارة، ومن حديث إلى آخر بدأ أحدهم يتحدث عن فوائد الجرجير حيث أنه يعيد العمر خمس سنوات للوراء.

وما انتهى من كلامه حتى تعرضنا لحادث اصطدام من الخلف واتصلنا بشرطة أبوظبي وكنا قريبين لدخول دبي، وفي ذلك الوقت لم يعطنا الشرطي تخطيط الحادث، وطلب منا العودة لمركز الشرطة بالعاصمة، وتأخرنا خمس ساعات تقريباً، ومنذ ذلك الوقت عندما نتذكر زميلنا نذكر قصة الجرجير.

ما هو أصعب قرار اتخذته في حياتك العملية؟

أصعب قرار كان في حياتي العملية هو قرار التقاعد، لأن التفكير فيه استمر عشر سنوات.

ـ لو عاد الزمن للوراء هل تختار الوظيفة نفسها، وماذا تتمنى أن يتغير؟

لا، لن أعود للوظيفة نفسها، سأختار وظيفة تناسب دراستي أكثر، ربما أختار العمل في مجال إدارة الأعمال في وزارة الاقتصاد، أو المحاسبة، أو تدقيق الحسابات في وزارة المالية، أو أن أعمل في شرطة دبي، لأنها تقدر الموظف جيداً وكل من يعمل بها يتمتع بكفاءة وقدرة عالية على الإنتاج.

ـ كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك السابق؟

أبنائي مازالوا يقدرون عملي جيداً، ويظهر ذلك في عيونهم إيمانا منهم بمعرفتي بقوانين العمل، أو عندما يلاحظون علاقتي بزملائي السابقين بالعمل ويكتشفون مدى العلاقة الطيبة التي تربط بيننا.

ـ ما هي خططك المستقبلية للعمل؟ وما هي أولوياتك؟

كان هدفي من التقاعد مراقبة عملي الخاص وعدم تفويض الأمور المالية للموظفين، وتطوير تجارتي والتركيز عليها، وكانت أولوياتي اتخاذ المسار الصحيح في التجارة وعمل مشروع يتناسب واحتياجات السوق، لذا وقع الاختيار على إنشاء مصنع صغير لإنتاج مواد اللصق الخاصة بقطاع البناء.

ـ هل تعتقد أنك تلقى التقدير الذي تستحقه من المجتمع وأصدقائك؟

نعم، والدليل أنني على اتصال مع الزملاء سواء من الذين هم على رأس عملهم أو المتقاعدين وبيننا علاقة قوية..

البيانات الشخصية:

الاسم: عبد الرحمن الشاكري

العمر: 54 عاماً

المهنة: مفتش

جهة العمل: وزارة العمل

سنوات العمل: 25 سنة

سمانا النصيرات