أكد الباحث خليفة المحرزي المستشار في مركز الحوار للدراسات والبحوث أن حل مشكلة ارتفاع الأسعار والتضخم لا تقع على عاتق جهة واحدة فقط بل يجب أن تتضافر جهود كثيرة من الجهات كالوزارات والدوائر المحلية وجمعية حماسة المستهلك للوقوف ضد الممارسات الاحتكارية والممارسات المسببة لموجة الغلاء.
وقال إن مقاطعة المستهلك للبضائع الاستهلاكية ليست السبيل الوحيد للخروج من هذه الأزمة إذ يجب أن تضطلع الجهات المسؤولة بدور أكثر فاعلية لمجابهة جشع الموردين وفرض قوانين رادعة على من يثبت تلاعبهم بالأسعار، ومؤكدا أن قضية حماية المستهلك من الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية ومن الغش التجاري ترتبط بأكثر من جهة في الدولة منها هيئة المواصفات والمقاييس الإماراتية والأمانة العامة للبلديات ووزارة الاقتصاد والتخطيط.
وقال أما بالنسبة لوزارة الاقتصاد يجب أن توجد جهة في الوزارة تهتم بشؤون التسعيرة وتعمل على وضع قواعد وضوابط لارتفاع الأسعار من خلال وجود سقف محدد لهذا الارتفاع، وهذا لا يعني تحديد الأسعار تحديداً مباشراً، وإنما وضع ضوابط لارتفاعها، كتشريع قوانين جديدة من قبل وزارة الاقتصاد من شأنها أن تقضي على هذه الظاهرة، فالكثير من الدول نجحت في تسعير المواد الغذائية ولا تعاني من مشكلات في هذا المجال.
وأضاف: كما أن البرنامج الاقتصادي الذي تديره وزارة النفط، يجب أن تأخذ بالاعتبار الإمكانيات الهائلة لدى الدولة في تطوير الفروع الأخرى للاقتصاد النفطي، بحيث ان الموارد البترولية لا ينبغي أن تبقى المصدر الرئيس لإيرادات خزينة الدولة، ولا ينبغي كذلك تسخيرها على الدوام لسد حاجات البلاد من المواد الغذائية المستوردة أو لاقتناء المواد الاستهلاكية التي يمكن تصنيعها في الدولة من الأسواق الخارجية.
وقال إن الحكمة الاقتصادية تقتضي أن تبذل الدولة جهودا استثنائية في سبيل الحصول على الغذاء الوفير والمتنوع محليا، وكذا الحال بالنسبة لإنتاج السلع الاستهلاكية والمنزلية، وذلك لكي تبقى الموارد النفطية في خدمة التطوير المتواصل لاقتصاديات البلاد وبنائه.
مشيرا إلى أن الدولة بحاجة إلى بناء المراكز العلمية والصحية والثقافية الحديثة وكذلك المؤسسات الصناعية والزراعية الكبرى إضافة إلى الجامعات والمعاهد المجهزة بالتكنولوجيا الحديثة والمختبرات والكومبيوتر التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من متطلبات الحياة المتحضرة.
وعن دور وزارة المالية قال إن دورها يتمثل في زيادة التجارة الخارجية غير النفطية بهدف التقليل من الاعتماد على البترول في اقتصاد الدولة، وتفعيل دور المالية الحكومية من أجل لعب دور أكبر في مناشط الدولة والإنفاق على المؤسسات الحكومية.
وذلك من السعي على زيادة مواردها المالية العامة والدخول في مجالات وأنشطة إنتاجية متنوعة لمجابهة قضايا التمويل وزيادة مواردها الذاتية، فهي تعلب دورا هاما لا يمكن إغفاله في تفعيل القطاع الخاص وزيادة أنشطته بما تمده من نفقات عامة تشمل كافة القطاعات، ومساعدة الصناعيين في استيراد التكنولوجيا الحديثة.
وذلك كوسيلة لتوطيد مواقع الصناعة الوطنية، ومكافحة غلاء الأسعار في عموم البلاد وذلك عن طريق قيام الدولة بدوائرها الرسمية ذات العلاقة برقابة أسعار الجملة والمفرق، والتوجه إلى ربط العملة المحلية بسلة عملات كاليورو وليس بالدولار فقط، حتى نتجنب التذبذب في حركة الأسعار خاصة بالنسبة للسلع التي يتم استيرادها من الدول التي تتعامل بالدولار.
كما يمكن التدخل في خفض مستوى المعروض النقدي والأموال المتوفرة في السوق من خلال استخدام سياسات مالية حكيمة ووضع قانون للضرائب يدعم اتجاه المحافظة على المعروض النقدي المتداول عند المستوى الذي يحافظ على مستوى الأسعار وعدم رفعها، ووضع خطة لتأسيس وتطوير الصناعات البتر وكيماوية والغذائية.
وكذلك صناعة الألبسة المدنية وغير ذلك من الصناعات التي لها علاقة مباشرة بالسكان وخزينة الدولة وعدم الاعتماد على البضائع المستوردة التي يتحكم بها الموردون كيفما يشاءون، وتشجيع أصحاب الورش الصناعية ومحلات الحدادة والنجارة من المواطنين ومدهم بالقروض الضرورية من البنوك الحكومية وبفوائد رمزية .
وذلك لتطوير وتنمية مؤسساتهم الصغيرة، وسن قوانين لصالح الموظفين في القطاعات الخاصة وذلك بزيادة أجورهم وإقرار الضمان التقاعدي لهم، وإعفاء المصانع والورش الجديدة من دفع ضريبة الدخل لفترة زمنية مناسبة وذلك لتستطيع هذه المؤسسات من توفير التراكم الرأسمالي وبالتالي إعادة الإنتاج الموسع خدمة للتنمية الاقتصادية في البلاد.
وعن دور الشؤون الإسلامية قال إن على دوائر الشؤون الإسلامية التعميم على الخطباء بضرورة تناول المشاكل الاقتصادية المرتبطة بالمجتمع بصورة دورية عن طريق الخطبة الأسبوعية لصلاة الجمعة، وبعد دبر الصلوات الخمس في الأحياء، لأن خطبة الجمعة هو حديث يسمعه المسلم ويستشعره، وإذا شعر فيه الصدق والتفاعل من قبل الخطيب، فإنه بالتأكيد سيتأثر به وينفذ ما يقوله الخطيب.
وهنا يكمن أهمية دور الخطيب في معالجة العديد من المشاكل الاقتصادية وتبيان طرق العلاج والقيام بحملات توعوية هادفة بالتنسيق مع الجهات ذات الاختصاص لتناول عدة قضايا وطنية تتعلق بالجانب الاقتصادي ومنها على سبيل المثال الاستهلاك والإسراف، وقيمة الإنتاج والتنمية والفساد الإداري والمالي لتوعية الناس بمساوئه وسلبياته، والتركيز على خطورة الاحتكار وانعكاساته على أفراد المجتمع لما فيه من الضرر الكبير والأثر السلبي في إفشاء الاحتكار والجشع والحقد بين أفراد المجتمع.
ولفت إلى دور جمعية الإمارات لحماية المستهلك في إعداد أفراد المجتمع والعمل على تثقيفهم وغرس مبادئ الاستهلاك في ممارساتهم السلوكية والوجدانية، ليكون لهم دورا فعالا في حماية مجتمعاتهم من الاستغلال والجشع الاستهلاكي، وذلك من خلال التعبير عن رأيه ونظرته الاقتصادية المعنية بالعرض والطلب، دون أن تكون هناك شماعة يعتمد عليها في التعبير عن جودة هذا المنتج، وأن تقوم الجمعية بتشجيع أفراد المجتمع على الالتحاق والانتساب لها ولمؤسسات المجتمع المدني المختصة بالنشاط الاستهلاكي من أجل تفعيل دورها وزيادة رقعة نشاطها.
وإيجاد نشاطات تطوعية عامة تقوم تأخذ الصفة الإشرافية بالتعاون والتنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط، كالرقابة الشعبية على المجمعات الاستهلاكية، وتشكيل لجان لمراقبة الأسواق وغيرها من البرامج التي تحتاج للجهود البشرية والطاقات الشبابية القادرة على العطاء، وتوعية أفراد المجتمع وتحذيرهم من الانسياق خلف الاستهلاك الترفي.
والعمل على إيجاد وعي شامل بالسوق، وأن يتعرف على بدائل السلع التجارية المنافسة والتي تحقق نفس الغرض من الاستعمال، وتشجيع المستهلكين على المبادرة الذاتية لحماية مصالحهم من جشع التجار في ظل ارتفاع الأسعار المستمر من دون أية ضوابط، عن طريق عدم الإقبال على اقتناء منتجات الشركات التي ترفع الأسعار من دون أية رقابة.
والالتفات إلى شركات أخرى تقدم المواد نفسها مع عدم اكتراث للماركات العالمية، والتحذير من الانجراف إلى الإغراءات الترويجية التي يقوم بها أصحاب المحلات الكبرى، حيث يقوم البعض من فئات المجتمع بشراء كميات هائلة من مختلف السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية حتى وإن لم تكن في حاجة لها، مما يشجع التجار والموردين على رفع أسعارهم بشكل دائم لتحقيق الأرباح الطائلة على حساب المستهلكين.
وضع نظام رقابي مالي على أعمال الجمعيات التعاونية
دعا المحرزي إلى التوسع في إنشاء جمعيات تعاونية استهلاكية أو إنشاء فروع للجمعيات القائمة في المناطق الريفية والنائية لخدمة المستهلكين وإلى أهمية وضع نظام رقابي مالي على أعمال الجمعيات التعاونية وإلزامها بتخصيص جزء من الأرباح لخدمة مناطق عملها اجتماعيا، والإسراع في إصدار قانون جديد للجمعيات التعاونية وصياغته بصورة تواكب المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية لمواجهة العولمة وقوى السوق وتحديات القرن المقبل.
وتقديم القروض الميسرة بدون فوائد من أجل تنفيذ المزيد من مشروعات المباني التي تساعد الجمعيات الاستهلاكية على تأمين مقرات لها في مختلف مناطق الدولة، وضرورة التنسيق الكامل بين الجهات الرسمية في الدولة والاتحاد التعاوني لتطوير النشاط التعاوني بالدولة وحث التعاونيات على الدخول في مجالات جديدة خدمة للأعضاء والمستهلكين مثل الجمعيات الإنتاجية وجمعيات الإسكان وجمعيات الخدمة الأخرى.
وشدد على أهمية إعادة تقييم التجربة التعاونية وتحديد السلبيات وتدعيم وتقوية الايجابيات وذلك عن طريق استطلاعات الرأي، وزيادة الوعي الثقافي التعاوني لدى المواطنين والى وضع سياسة توطين واضحة يتولاها الاتحاد التعاوني بالدولة بالتنسيق مع الجهات الرسمية والقائمين على الجمعيات التعاونية، واستحداث أساليب جديدة لاستقطاب القدرات المتميزة من المواطنين للعمل في قطاع التعاوني وتهيئة الظروف المناسبة لإستمراريتهم لضمان تقديم خدمات أفضل، بالإضافة إلى تخصيص برامج تأهيلية متخصصة في الجانب الإداري والمالي ليكونوا على درجة عالية من التأهيل الأكاديمي.
وقال إنه يجب توعية المستهلك من أجل شراء السلع البديلة المتوفرة بدلاً من الخضوع والرضوخ للأمر، وذلك عن طريق التعاون بين عدد من المستهلكين في منطقة ما والاتفاق فيما بينهم على مقاطعة المحل أو المتجر الذي يرفع الأسعار، وعدم اقتناء السلع التي يرفع سعرها التاجر أو المتعهد، وإذا تعذر ذلك فيجب التقنين في استهلاك تلك المواد لا لشيء.
وإنما لإلحاق أكبر خسارة بالتجار الجشعين عبر كساد موادهم في المستودعات الأمر الذي أثبت جدواه مؤخراً في الألبان ومشتقاتها عندما قرر منتجو الألبان رفع أسعار الألبان بنسبة 10 % في الأسواق لكنهم وجدوا معارضة من أفراد المجتمع وهددوا بمقاطعة هذه السلع، وتعويد الأبناء على الوقوف سلبياً من المواد الغذائية التي ارتفعت أسعارها بصورة جنونية، والاستغناء ما أمكن عن السلع التي تزداد أسعارها والبحث عن بدائل .
دعم الاقتصاد الزراعي
*حول دور وزارة البيئة والمياه قال المحرزي إن هذا الدور يتمثل في دعم الاقتصاد الزراعي من قبل الدولة بتوفير جميع الإمكانيات التقنية والمالية والعلمية وإعطاء اهتمام خاص لزراعة الحبوب والخضراوات وكذلك تعمير بساتين النخيل والفواكه والسعي لزيادة الثروة الحيوانية مع توسيع القاعدة العلفية، وتأمين العلف الأخضر، وتقديم التسهيلات اللازمة لزيادة إنتاج اللحوم بأنواعها، من أجل الاكتفاء المحلي وتغطية الإنتاج والتقليل من الاستيراد الخارجي.
* ضرورة إنشاء جمعيات زراعية تعمل على توفير أجود وأحسن البذور والأسمدة وبأسعار تنافسية خدمة لقطاع المستهلكين في هذا القطاع الهام، وإنشاء البحيرات الاصطناعية الفنية لتنمية الثروة السمكية في جميع مناطق الدولة، والسماح بتشكيل شركات زراعية إنتاجية في مجال الثروة الحيوانية والدواجن وزراعة الذرة وغيرها ودعمها المباشر.
*مساعدة المزارعين وأصحاب المزارع من المواطنين على تشكيل التعاونيات الزراعية والاستهلاكية ودعمها بالقروض الميسرة وإبداء المحفزات الاقتصادية الأخرى لها، وإصدار تشريعات لمصلحة العمال الزراعيين وإقرار الضمان الاجتماعي لهم وشمولهم بالتقاعد.
جمعية الإمارات لحماية المستهلك الحاضر الغائب
تعتبر جمعية الإمارات لحماية المستهلك الحاضر الغائب في هذه العملية، ثم يأتي المستهلك في المرتبة الثانية، حيث يستنزف الغلاء كل موارده المالية، لكنه متجاهل كل ما يحدث حوله على الرغم من أنه الأكثر تضرراً في معركة الأسعار وهذا يرجع لعدة اعتبارات لعل من أبرزها انخفاض مستوى الوعي الاستهلاكي عند الأغلبية، وسيادة نمط من الاستهلاك الإسرافي عند البعض الآخر، والرخاء الاقتصادي الغالب على أفراد المجتمع، نظرا لما تتمتع به بلادنا من مستويات دخول عالية مقارنة مع غيرها من الدول.
واكد أن غياب العامل التنظيمي للجهود التي تبذلها الجمعية في التعامل مع مثل هذه الظواهر يلعب دورا مؤثرا في تمادي التجار للتحكم في أسعار السوق، إلى جانب عوامل أخرى قريبة إلى حد ما من هذه المبررات والأعذار، لكل هذه الأسباب بات المستهلكون في الوقت الراهن بحاجة إلى من يحميهم ويدعم حقوقهم وهم يعيشون معركة الغلاء ويكتوون بنارها في صباحهم ومسائهم، وهذا لن يكون إلا من خلال الإعداد الاجتماعي وتهيئة أفراد المجتمع .
وأضاف ان الثقافة الاستهلاكية الموجودة في المجتمع والتي تتسم بالسطحية وعدم الوعي أسهمت بشكل كبير في دفع التجار إلى اللجوء لرفع أسعار السلع الاستهلاكية.
