أكد خليفة محمد المحرزي الباحث والمستشار في مركز الحوار للدراسات والبحوث أن ارتفاع أسعار السلع والخدمات أصبحت إحدى الظواهر الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع في الدولة، حيث لم تشمل الزيادة السعرية سلعا معينة وإنما أصابت غالبية السلع والخدمات، وقال: أصبح الجميع (التاجر والمستهلك) يعانون من هذه الارتفاعات المستمرة.
حيث أثرت على الجميع بدون استثناء بالرغم من تدخل السلطات المعنية، وأصبح المستوردون والتجار والمسوقون والمستهلكون والخدمات الحكومية أطرافا في المشكلة والحل. وقال في دراسة له عن أثر التضخم الاقتصادي على الأسرة الإماراتية إن هناك انتعاشا اقتصاديا كبيرا في الدولة صاحبه غلاء في المعيشة على جميع الطبقات بشكل أصبح خارج نطاق السيطرة وبات يهدد استقرار المجتمع وأمنه.
وأضاف: نحن في الإمارات أخذنا بمبدأ الاقتصاد الحر وتجاهلنا القوانين المانعة للاحتكار وأصبح الجميع يتعلل بأن السوق عرض وطلب، حتى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة للحيلولة دون ارتفاع الأسعار لم تحقق الهدف المطلوب، مؤكدا أنها لم تكن ذات جدوى في تغيير الواقع وإنما كانت عبارة عن وسائل مؤقتة غير دائمة في ظل سوق يفتقد إلى الثقة في تحقيق الاستقرار لأسعار السلع.
وقال إن القوة الشرائية ضعفت ولم تعد قادرة على الاستعانة بالنمط الاستهلاكي المرتفع، حيث التهمت الأسعار أي زيادات في المرتبات ودخل المواطنين ولم تعد الزيادات تتناسب مع غلاء المعيشة مشيرا إلى أن بعض المحللين يرجعون الغلاء الحالي إلى ارتفاع سعر صرف الدولار.
بينما يرجع البعض الآخر ذلك إلى رفع يد الدولة عن السوق وإلغاء التسعير الجبري، مع عدم وجود قانون منع الاحتكار، ويبرر البعض الغلاء بأنه جشع التجار، ولكن الحقيقة أن للغلاء أسبابا متنوعة متداخلة وتشمل: ظاهرة الاحتكار والتي برزت من قبل شريحة من المتعهدين والموزعين من التجار الأسيويين بسبب رغبتهم في السيطرة على السوق بصورة غير مباشرة وخاصة في مجال العقارات برفع أسعار العقارات وإيجارات المساكن والمحلات للسعي لتحقيق أرباح قياسية على حساب المستهلك.
وأوضح أن حرية تداول السلع وفق آليات العرض والطلب ووفق نظام الاقتصاد الحر مع عدم وجود نظام التسعير واقتصار مهام الأجهزة الرقابية على مراقبة الجودة وعدم غش السلعة فقط زاد من المشكلة والنزعة الاستهلاكية والميول الشرائية لدى المواطنين، بالإضافة إلى حجم الإنفاق الاستهلاكي للأسر المواطنة والوافدة بالدولة، حيث يعد من المستويات العالية مقارنة بأسواق مجاورة.
فقد زاد إجمالي الإنفاق الاستهلاكي النهائي في الإمارات بشكل ملحوظ في عام 1999 بسبب ارتفاع الدخل القومي ، الأمر الذي انعكس بصورة ايجابية على متوسط دخل الفرد الذي ارتفع من 2,49 ألف درهم في عام 1998 إلى 55 ألف درهم عام 1999، وهذا يصنف من بين أعلى متوسطات الدخل الفردي في العالم، ليزداد إجمالي الإنفاق الاستهلاكي النهائي من 3,119 مليون درهم إلى 126 مليون درهم خلال السنتين الماضيتين فالبحث الشره عن الكماليات جعل بعض المواطنين ينساق وراء السلع المعيبة.
خاصة أن عملية تقليد الماركات العالمية أصبحت منتشرة في السوق الإماراتي وبشكل متقنٍ للغاية، وقد وصل هذا التقليد إلى المواد الغذائية أيضا، فالمواطن الإماراتي سجل الرقم الأعلى استهلاكا في الكهرباء والماء والغاز والنفط في العالم.
وقال هناك حرص من كل من المستهلك والمنتج على عنصر الجودة في جميع المواد الاستهلاكية التي يقتنيها، فكلما أنفق المنتج على رفع مستوى جودة السلعة أو الخدمة ارتفع ثمنها في الأسواق ويتوقع من الطرف الآخر في العلاقة وهو المستهلك أن يرضى برفع السعر مقابل الحصول على جودة أفضل.
وأضاف أن هناك تزايدا في أعداد السكان المواطنين والمقيمين وزيادة نشاط وفعاليات المهرجانات والفعاليات الاقتصادية في معظم مناطق الدولة نتيجة الازدهار الاقتصادي الذي تشهده المنطقة الخليجية فأدى إلى ارتفاع دخول الأفراد وازدادت القدرة الشرائية لهم، مما جعلهم يستسلمون للميول الاستهلاكية والإسراف في الإنفاق بشكل عام، فالمجتمع تحول من مجتمع يعيش على الزراعة والرعي والاعتماد على الغوص، إلى مجتمع حضاري يعيش في بيئة مترفة تتوفر له كل مقومات الحياة والرفاهية وتتهيأ له جميع خدمات المجتمع الاستهلاكي التي أوجدتها الآلة الصناعية.
وأكد أن التزايد المستمر في حجم الاستثمارات الأجنبية التي تتأسس في الدولة يعتبر سيفا ذا حدين، حيث أن الشركات متعددة الجنسية لا تقيم مصانع مكملة للقطاعات القائمة فعلا، بل تعمد لتأسيس مصانع تتنافس مع الشركات الوطنية على المواد الخام والمدخلات المتاحة، وقال إن هذه المصانع الأجنبية يغلب أن يكون لديها القدرة على تحمل مخاطر التسويق والإنتاج لمرحلة تكفي للنيل من الحصة السوقية المتاحة للشركات الوطنية إلى درجة إخراجها تدريجيا من السوق ومن ثم تنفرد بها الشركات الأجنبية وتجني المكاسب التي قد تثقل كاهل المستهلك المحلي فيما بعد دون أن يكون لديه البديل عنها.
ومن بين أسباب ارتفاع الأسعار خروج أفراد الأسرة الواحدة إلى سوق العمل والعمل خارج المنزل مما تزايد الطلب على الاحتياجات الخارجية لتلبية مطالب الأسرة والاعتماد على الاستهلاك الخارجي من وجبات وأغراض استهلاكية والسبب في هذا المتغير، هو عدم الاكتفاء المادي الذاتي وبسبب التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المهمة المرتبطة بعملية التنمية في الدولة.
فأدى إلى تغيير واضح في موقف الأسرة والمرأة تجاه العمل وترسيخ وجودها في الاقتصاد المحلي، وكنتيجة لذلك فقد ازدادت مشاركة المرأة المواطنة في سوق العمل بشكل ملحوظ، من 9,9% في عام 1995م إلى 9,22 في عام 2003م بنمو سنوي بلغ 2,8 %.
وهذا يشير إلى زيادة تدفق المرأة اتجاه سوق العمل في المستقبل، ولو قارنا هذه النسبة مع فئة الرجال من المواطنين لوجدنا أن قوة العمل على صعيد الجنس بين المواطنات قد تضاعفت ثلاث مرات عما بلغته هذه النسبة من النمو للمواطنين الذكور وبمعدل سنوي بلغ 7,16 مقابل 1,6 للذكور وشدد على أن الثقافة العربية السائدة والتي تعودت على الأخذ دون العطاء وعلى الاستهلاك دون الإنتاج أدت إلى وجود جو استهلاكي في المجتمع ويدفع بالأفراد إلى سوء استغلال هذه المادة بطريقة غير متوازنة.
فاستهلاك السيارات والملابس والمنازل والكماليات سمة أساسية، حتى أداء الأدوار يقوم على الاستهلاك المتواصل للمربيات الأجنبيات دون بذل أي جهد في تنشئة وتربية الأطفال أدى إلى توفر مقومات المعيشة، وزيادة الرفاهية الاقتصادية إلى تراخ وتساهل في أداء الأدوار الأساسية.
وقال إن الدولة أصبحت إحدى أبرز الوجهات السياحية على مستوى دول العالم خلال السنوات الست الأخيرة، وباتت تمثل الموقع الأمثل لدى معظم السياح من أجل قضاء إجازة ممتعة في ربوع الوطن حيث شهدت إمارة دبي وحدها قدوم أكثر من 8 ملايين في فنادقها خلال عام 2005م.
وبلغ عدد النزلاء الخليجيين أكثر من مليون و211 ألفا و407 نزلاء ومن الدول العربية مليونين و103 آلاف نزيل والأوربيون مليونا و940 ألفا و255 نزيلا، ويتوقع الخبراء بأن عدد السياح سيرتفع إلى أكثر من 15 مليون سائح خلال عام 2010، وهذا بلا شك يساهم في رفع القيمة السوقية لما ينفقه السائح خلال تواجده في البلد.
وعن التنمية الاجتماعية الشاملة في الدولة قال إن تزامن هذه التنمية مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية فتم بناء مقومات المجتمع عن طريق بناء المدارس والكليات والمؤسسات الثقافية والدينية وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية وبناء وتطوير المرافق العامة في الدولة بصورة مستمرة وذلك من أجل توفير حياة أفضل لجميع سكان الدولة والمقيمين عليها.
حيث تشير بيانات الإنفاق الحكومي انه في عام 2004م كان الإنفاق على التعليم العام قد بلغ نحو 4086 مليون درهم، بينما وصل الإنفاق الحكومي على الصحة حوالي 1725مليون درهم عام 2004م بينما بلغ حجم المساعدات الاجتماعية عام 2003 م حوالي 655 مليون درهم.
طفرات
تأثيرات سلبية على المواطنين والمقيمين
أدى ارتفاع أسعار البنزين المحلية في الإمارات وارتفاع أسعار قطاع العقارات إلى تأثيرات سلبية على المواطنين والوافدين، فقد شهدت الدولة طفرات كبيرة في سوق العقار تجاوزت في بعض الأحيان حاجز 100% بالإضافة إلى زيادة أسعار المواد الأولية للبناء، بسبب الطلب المتزايد والملحوظ على تأجير المساكن.
وعلى مباني الأسواق، مع النقص الواضح في المعروض في السوق الذي أصبح أقل من الطلب مما ساهم فعليا بارتفاع العقار من المساكن والمحلات التجارية، بالإضافة إلى هدم أعداد كبيرة من المباني القديمة والمستهلكة، وإنشاء المجمعات السكنية الحديثة مكانها.
وذلك ضمن الخطط الجاري تنفيذها لتحديث العقارات في الدولة، كما شهد سوق العقار طلبا متزايدا على الوحدات السكنية، بسبب زيادة عدد القادمين الجدد من الوافدين للعمل في المشروعات الجديدة والتوسعات في المشروعات القائمة في ظل الطفرة الاقتصادية التي تشهدها الدولة، فأصبح التاجر مجبرا على زيادة أسعار منتجات السلع التي يوردها للسوق سواء كانت من الأساسيات أو الكماليات وذلك لارتفاع عقار احتواء المنتج من مخازن أو محلات تجارية عارضة.
معلومات
إذا أرادت أي دولة أن تتمتع باقتصاد صحي يجب ألا تتعدى نسبة التضخم فيها أكثر من 10 %، لكن التقديرات الإحصائية للوضع الاقتصادي في الدولة، تشير إلى أن الأسعار في الإمارات ارتفعت من الأساس في بداية سنة 1990م وواصلت ارتفاعها حتى وصلت إلى بنسبة 45-50%.
تزايد أعداد السكان من المواطنين والمقيمين، وزيادة نشاط وفعاليات المهرجانات والفعاليات الاقتصادية في معظم مناطق الدولة نتيجة الازدهار الاقتصادي الذي تشهده المنطقة الخليجية، أدى إلى ارتفاع دخول الأفراد وازدادت القدرة الشرائية لهم، مما جعلهم يستسلمون للميول الاستهلاكية والإسراف في الإنفاق.
الوفرة المالية التي تتميز بها الدولة تؤدي إلى وجود جو استهلاكي في المجتمع ويدفع بالأفراد إلى سوء استغلال هذه المادة بطريقة غير متوازنة، فاستهلاك السيارات والملابس والمنازل والكماليات سمة أساسية، حتى أداء الأدوار يقوم على الاستهلاك المتواصل للمربيات الأجنبيات دون بذل أي جهد في تنشئة وتربية الأطفال.
المجتمع المدني
الرقابة الشعبية تحد من انفلات السوق
أكد خليفة المحرزي أن من أهم أسباب انفلات السوق ضعف منظمات المجتمع المدني بالدولة والمعنية بحماية المستهلك، وعدم توفير الرقابة الشعبية التي تحد من هذا الانفلات، كما هو الحال في أوروبا والبلاد المتقدمة، فالدور الذي تقوم به جمعية الإمارات لحماية المستهلك لا تصل للمستوى المطلوب منها في ظل الواقع الذي تشهده أسواق الدولة بسبب عدم توفر الدعم الكافي لها.
إضافة إلى عدم وجود جهة رقابية ذات الاختصاص، وعدم فعالية إجراءات ردع للمخالفين في ظل تحرير السوق الذي زاد حجمه عن السابق، حيث تشير الدراسات الاقتصادية بأن حجم السوق الخليجي يقدر بـ 200 مليار دولار أميركي، يمثل منها السوق السعودي والإماراتي ما يقارب 80 %.
ودعا الحكومة إلى تقوية الحركة التعاونية التي تعتبر صماما آخر لتخفيف المعاناة عن كاهل محدودي الدخل وللمساهمة في الحد من الغلاء، فالجمعيات التعاونية متواجدة بكل مناطق الدولة ولكنها لا تمثل الشيء المطلوب منها.
وأشار إلى أن التغيرات الاجتماعية قد أثرت بشكل كبير على التغيرات الاقتصادية، والتأثر بمظاهر التحديث الغربي والتي من بينها الميل إلى الاستهلاك المبالغ به، حيث إن الازدواجية الثقافية المتمثلة في نوعية السكان المواطنين وغير المواطنين والتعليم العربي والأجنبي نجم عنه فاقم تلك الازدواجية.
إعداد السيد الطنطاوي

