لطالما شكا العرب جميعا، مثقفون وعامة، حكومات وقوى معارضة، علمانيون ومتدينون، من سيطرة «اللوبي» المؤيد لإسرائيل على بوصلة السياسة الأميركية الخارجية. لطالما تشكى العرب.. ولم يتحركوا لفعل شيء، كما يقول الدكتور جيمس زغبي، مدير المعهد العربي الأميركي، الذي يستشهد ببعض الفخر والحسرة معا بمقولة المفكر كلوفيس مقصود «جيمس زغبي آخر قومي عربي».
هذه المقولة، تبدو جلية معانيها وأبعادها ونحن نزور مقر المعهد العربي الأميركي في واشنطن العاصمة: شقة متواضعة، أثاث فقير، الكثير من الصناديق الكرتونية والملفات.. والأكثر ملصقات انتخابية.
هذا هو مقر «المحارب» من أجل دور عربي نافذ في الدولة الأقوى في العالم! توقعنا أن يكون في استقبالنا أناس في مثل سحنتنا، فلم نجد، كانوا أميركيين تماما، ولطفاء أكثر مما نتخيل، ساعدناهم في ترتيب طاولات هزيلة نوعا ما، ومقاعد بالتأكيد ليست وثيرة، لتتخذ شكل المائدة المستديرة ولو بالإيحاء. زغبي لم يكن حاضرا، فتولى مدير مكتبه بيتر تيمكو الترحيب والتقديم بشرح موجز عن المعهد وطبيعة عمله والتحديات التي يحاول مجابهتها. دقائق وحضر الدكتور زغبي، كان باديا عليه إنهاك السفر، واللحية غير الحليقة التي كانت مثار تحسسه من التقاط الصور له على هذه الحال. قال انه كان في منطقة أخرى يواصل عمله في الحملات الانتخابية، وانه سيغادر بعد اللقاء إلى ولاية أخرى لحضور حفل زفاف، فباركنا له مسبقا، قبل أن يعاجلنا: حسنا عم سنتحدث؟ نحن عرب، وهم نوعا ما عرب، وجميعنا هنا في الولايات المتحدة، فكان الموضوع «تحصيل حاصل».
زغبي بادر إلى القول «حسنا، شعارنا في المعهد هو أولا: العمل من اجل اقتحام الأميركيين العرب الحياة السياسية في الولايات المتحدة. وثانيا: محاولة التأثير وتغيير السياسة الأميركية الخارجية تجاه القضايا العربية». في نبرة صوته ما يشبه الحزن من النتائج، لكنه حزن ممزوج بحماسة العمل ومواصلة هذا النهج، وهو ما يحيرنا، وكأنه أحس «هذه بلاد لا مثيل لها، تعطي الجميع فرصته إن استغلها، وعلينا فعل ذلك إن أردنا أن لا نظل مهمشين بلا أي تأثير». لدى الدكتور زغبي صورة الخبير بماهية المجتمع الأميركي: «هنا في الولايات المتحدة الأميركي هناك شعار يتقدم على كل الحقائق المسلم بها: كل السياسات محلية»، بمعنى أن الأميركي لا يكترث سوى لقضاياه الداخلية، وعلى هذا أسس المعهد الأميركي العربي سياساته وخططه، «نركز على العملية الانتخابية والمشاركة العربية فيها، ولذا بدأ الأميركيون العرب في الاستماع الينا والتفاعل مع المعهد، ولا تنسوا ان غالبيتهم من الأجيال التي نست حتى اللغة العربية، ويشغلها ما يشغل الأميركي الأصلي من هموم معيشية».
ينظر «آخر القوميين العرب» بعين الرضا إلى ما حققه نشاط المعهد الأميركي العربي، ويتحدث بثقة عن نجاح الهدف الأول للمعهد الخاص باقتحام الحياة السياسية في الولايات المتحدة «هناك خمسة أعضاء من أصل عربي في الكونغرس»، ثم يتذكر حادثة تدلل على بدء علو الصوت العربي: زغبي عضو في الحزب الديمقراطي الأميركي.
وفي العام 1990 عمل بنشاط محموم لمعارضة شن حرب الخليج الأولى على إثر احتلال نظام صدام حسين للكويت، حينها صرخت وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت في وجهه «أنت لا مكان لك في الحزب»، فلا يبدو عليه التفاخر وهو يستدرك «بعدها بأربع سنوات أي في العام 1994 أصبحت رئيسا للجنة القرارات في الحزب الديمقراطي».
الأميركيون العرب الذين مضى على هجرتهم إلى الولايات المتحدة نحو مئة عام، ما زالوا رهن حالة التفتت. يوضح «التواجد العربي أقوى نوعا ما في الحزب الديمقراطي الذي يهتم بضم وتمثيل الأقليات، وتواجدهم ضعيف في الحزب الجمهوري، وهو ما نسعى إلى تقويته»، ولا يمانع في توزعهم بين الحزبين، ان ترافق ذلك مع خطوات تنظيمية تؤسس لـ « لوبي عربي» يصطف في محصلته إلى جانب القضايا العربية، في مواجهة اللوبي المؤيد لإسرائيل مثلا.
سألته وأنا أجول ببصري في أنحاء مقر المعهد المتواضع: كيف تمولون عملكم وخططكم العريضة هذه؟ فسارع إلى المزاح «هل تريد التبرع لنا»، قبل أن يكمل «لا نتلقى أي دعم مالي حكومي فقط تبرعات أفراد يؤمنون بعملنا ورسالتنا». وهنا بدأت الحدة تجتاح نبرة صوته، بعدما أفضى السؤال إلى دور العرب الأصليين حكومات ورجال مال ومؤسسات مجتمع مدني، في مساندة المعهد.
لم يستطع د. زغبي ان يخفي حنقه المزدوج تجاه ما رأى انه تقصير عربي من جهة، وطرق خاطئة في محاولة التحرك على الساحة الأميركية، من الجهة الأخرى. قال «السفارات العربية هنا في واشنطن لا تقوم بعملها كما يجب (باستثناء حالات نادرة ذكر منها السفير المصري نبيل فهمي)، في أحلك حقبات الأميركيين من أصل عربي في الولايات المتحدة، تلك التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، لم نلمس أي تحرك عربي لتصويب الرؤية وتوضيح الصورة، نحن فقط قمنا بهذه المهمة، ودافعنا عنا بضراوة.
دوما نتحدث فقط عن اللوبي المؤيد لإسرائيل، انظر إلى إسرائيل وسفارتها هنا، لديهم خطط تترجم فورا، يؤثرون في الكل أكاديميين وطلبة جامعات ومحامين وغيرهم، ينظمون لهم باستمرار زيارات ورحلات إلى إسرائيل لشرح الصراع من وجهة النظر الإسرائيلية، والعرب في المقابل ماذا يفعلون سوى مهاجمة اللوبي الإسرائيلي».
يضيف «حتى مبادرات التحرك العربية تجانب الصواب، لأنها تتركز في «استئجار شركات استشارية أميركية، وهذا غير مجد على الإطلاق، نحن نفهم العرب ونفهم أميركا ونعلم جيدا كيفية التأثير». ويسوق مثالا شخصيا «عندما ترشحت للانتخابات الأميركية دعمني بشكل كبير اثنان من المسلمين المصريين رغم انني مسيحيي، ورغم ان 70% من الأميركيين العرب هم مسيحيون، و60 % من هؤلاء لبنانيون».
ويخلص بعدما هدأت قليلا حدة نبرته إلى أن «الأسلوب الأمثل في التعامل مع الأميركيين هو الاقتحام، اقتحم مجتمعهم وعش همومهم وابحث عن لغة مشتركة، عندها يبدأون في الإصغاء إليك». عند ذلك، وكان الجميع ارتأى تغيير هذا الاحتدام، فعرج النقاش إلى الانتخابات الأميركية بشكل عام.
استهل الدكتور زغبي عرض رأيه الموجز بما يجري انتخابيا بالقول ان المعضلة واحدة لدى الأميركيين من كل الأعراق، وهي العزوف عن صناديق الاقتراع، و«هو ما نحاول جاهدين في المعهد العمل لإقناع الأميركيين العرب بزيادة مشاركتهم في العملية الانتخابية»، وساق أمثلة: نسبة التصويت في الانتخابات التمهيدية «البرايمريز» في ايوا لم تتعد ال15%، وفي نيوهامبشير 20%، وفي ما خص العرب في ميتشيغان لم تتعد نسبة مشاركتهم في التصويت ال8%. وبالنسبة للانتخابات الحالية «سنكون محظوظين إذا بلغت نسبة التصويت 50%».
ولا يخفي زغبي تأييده للمرشح الديمقراطي باراك اوباما، الذي يجهد من اجل رفع نسبة التصويت. وهنا انهالت عليه الأسئلة عن دوافع إعجابه بأوباما، وهو ما رد عليه بشعار التغيير الذي يرفعه، ولا سيما أن الأميركيين سئموا تعاقب عائلتي بوش وكلينتون على الحكم، لكنه يورد سببا آخر أقرب لذهنية العربي المشغولة بالقضايا العامة: في بداية حملته الانتخابية في ولاية ايوا التي فاز بها، قال أوباما «لا احد يتحمل ما يعانيه الفلسطينيون»، ما أثار ضجة إعلامية وحملات حكومية مضادة استمرت لستة أسابيع متتالية، لم تؤثر فيه، وأصر على عدم التراجع والتمسك بمقولته.
وربما كان هذا هو سبب التعاطف الداخلي لدى غالبية العرب مع المرشح الأميركي الأسمر، لتقارب السحنات والشعارات، واستمراء العربي لعبة التعلق بالأوهام! حدث بعد ذلك ما يؤكد ما شعرنا به هناك في بلاد «العم سام»، قبل شهور من خطاب أوباما الشهير أمام مؤتمر لجنة العلاقات الأميركية الإسرائيلية العامة«ايباك»، والذي قدم فيه ما يشبه «الصك الانتخابي»، لجهة التزامه بالانحياز لإسرائيل ظالمة.. أو ظالمة.
بحذاء مثقوب يدوس الثلوج حاملاً قضايانا!
بيتر تيمكو، أميركي، يدير مكتب الدكتور جيمس زغبي، كان بالنسبة لي الشخصية الأكثر التي هزتني من الداخل، وهو ما يشعر به أي عربي يرى آخر من غير بني جلدته يؤمن بقضاياه حتى النخاع.
في حديثه لنا، ركز تيمكو على أنه لا حروب طاحنة بين الأميركيين العرب والأميركيين اليهود، ولا سيما ان غالبية اليهود هؤلاء ليبرالية تؤمن بالسلام وحل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، مدللا على ذلك باستطلاع أجراه المعهد، كشف عن ان الغالبية من الفريقين على قناعة بان الفريق الآخر يؤمن بالسلام (50% من الأميركيين العرب يعتقدون بأن الأميركيين اليهود يؤمنون بحل الدولتين، و59% من الأميركيين اليهود على قناعة بان الأميركيين العرب يؤمنون بالحل هذا).
لكن ذلك لم يثر اهتمامي كثيرا، اذ كنت اتفحص في ملامح الرجل محاولا تلمس أي اجابة عن تساؤل داخلي: ما الذي يدفع هذا الأميركي الأشقر الى تبني قضايانا العربية والعيش بفقر في سبيل ذلك؟
وكأن يد الحزن لامست القلب، فتحركت الكاميرا لتسجل وتؤرخ لهذا الإنسان الطيب والفقير، يحدثنا عن قضايانا وكيفية التأثير في قرار من يتحكمون بها وبنا، ولا أستطيع التفكير سوى ب« يا الهي كيف سيخرج بهذا الحذاء المثقوب الى الشارع المطمور بنصف متر من الثلوج»؟!
عرب أميركا في أرقام
80 % من العرب الأميركيين حصلوا على الجنسية الأميركية.
62 % من العرب الأميركيين أصلهم من دول الهلال الخصيب (سوريا، لبنان، فلسطين، والأردن). أما العرب من أصل مصري فتصل نسبتهم إلى 11 %.
العرب من العراق، اليمن، دول المغرب العربي والدول العربية الأخرى يشكلون النسبة الباقية من العرب الأميركيين وهي 27%.
أكبر التجمعات العربية في أميركا موجودة في ولايات كاليفورنيا، ميتشيغان، ونيويورك.
يشكل العرب المسيحيون ما نسبته 77% بينما المسلمون 23% من العرب الأميركيين.
تصنف الحكومة الأميركية العرب الأميركيين على أنهم عرق أبيض.
من الجيل الثاني
بيل حمزة تصدى للمتطرفين الاميركيين دفاعاً عن «موانئ دبي»
التفت مدير المعهد العربي الأميركي جيمس زغبي إلي، وكأنه تذكر انني عرفت على نفسي في بداية اللقاء بأنني صحافي قادم من دبي، وقال «هل تتذكرون قضية موانئ دبي حينما أقام اميركيون متطرفون الدنيا ولم يقعدوها لمنع توليها ادارة ستة من الموانئ الاميركية، من الذي تصدى لهم، انه السيناتور الاميركي اللبناني الأصل بيل حمزة، وبالمناسبة هو مهاجر من الجيل الثاني ورئيس لجنة الحزب الجمهوري في ولاية كونتكيكت. نذكر له مواقفه العروبية الصلبة وتصديه لحفنة المتطرفين هذه».
واشنطن ـ خالد أبوكريم


