حال قطاع غزة المأساوي اليوم يغني عن سؤاله فقد كابد سكان القطاع الأزمات منذ الانقسام والحسم العسكري الذي نفذته حركة «حماس» قبل عام وبالتحديد في الخامس عشر من يونيو عام 2007، حيث اشتدت وطأة المعاناة وتفاقمت تعقيدات الحياة، وفرضت سلطات الاحتلال حصارا خانقا طال كل شيء وأدى إلى تدمير قطاعات ونواحي الحياة المختلفة وتسبب في موت أكثر من 185 مريضا. التحقيق التالي يلقي الضوء على هذا الحدث الذي قسم الوطن المحتل.

نبدأ من وجهة نظر حركة «حماس»، حيث يقول القيادي في الحركة الدكتور يونس الاسطل: «مضى عامٌ على إفشال الانقلاب، والقضاء على الانفلات، الذي بَيَّتَ أن يُطِيْحَ بحكومة الوفاق الوطني، ويصادر الإرادة الشعبية التي تمثلتْ بنتائج الانتخابات التشريعية، ولم يكن ليكتفي بزحزحة حركة حماس عن المسرح السياسي، بل كان الهدف هو التطهير العام لكل ما يَمُتُّ للحركة الإسلامية بصلة بشراً ومؤسساتٍ».

وأضاف «صبرنا على ذلك، ولكنه لمَّا طال المتظاهرين بتهمة التدين، فكان القتل على اللحية، وادِّعاء تواطؤ حكومة الوحدة الوطنية أو عجزها، وفَرْضِ منع التجول بإطلاق النار على كلِّ متحرك. وأضاف الاسطل «لما وقع هذا كان لزاماً علينا أن نَهُب لإنقاذ المستضعفين الذين يكتوون بنار الفلتان، ولتأمين سائر الناس من الخوف».

من ناحيتهم قال قياديون في حركة «فتح» إن «حماس ارتكبت جرما كبير بحق نفسها وبحق الشعب بأكمله حيث أدى انقلابها إلى تحقيق الإخفاقات كثيرة منها تجاوز حرمة الدم الفلسطيني والذي كان الجميع يعتبره خط احمر فحسب تقرير هيئة حقوقية فلسطينيه فإن حصيلة الشهداء وقت الانقلاب الذي قامت به حركة حماس على قطاع غزة 161 شهيدا و800 جريح وصفت جراح بعضهم بالخطيرة».

وأضافوا إن «الانقلاب أدى إلى زيادة معدلات الفقر والبطالة لتصل البطالة إلى 70 في المئة ونسبة ما يعيشون تحت خطر الفقر ما نسبته 90 في المئة من مجمل سكان قطاع غزة، وكذلك نقص حاد في المواد الغذائية والسلع الأساسية وارتفاع أسعارها، وهجرة رؤوس الأموال الفلسطينية للخارج وانعدام البيئة الاستثمارية في قطاع غزة، حيث قدر حجم رأس المال المهاجر للخارج بنحو 50 مليون دولار».

وتابعوا أن «المئات من مصانع قطاع غزة توقفت عن العمل بسبب نقص أو انقطاع المواد الخام، كما ألغت سلطات الاحتلال تلغى الكود الجمركي لقطاع غزة ما يعني إنهاء الاستيراد المباشر لمستوردي القطاع والعودة للمستورد الإسرائيلي، إضافة إلى إغلاق أكثر من 3500 مؤسسة صناعية وتجارية وحرفية مما أدى إلى فقدان أكثر من 65 ألف فلسطيني لعملهم، فضلا عن توقف مشاريع البناء والتطوير التي تنفذها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (انروا) ووقف دخل لما يزيد على 121 ألف شخص».

وقالوا ان «الانقلاب أدى إلى استمرار إغلاق المعابر وهو ما سبب خسائر للمزارعين تقدر من التوت الأرضي 10 ملايين دولار وخسائر الزهور 4 ملايين دولار، وأيضاً وفاة ما يزيد على 180 مريضاً نتيجة إغلاق إسرائيل للمعابر، إضافة إلى تفضيل الراية الحزبية حيث تم إنزال علم فلسطين عن المجلس التشريعي وعن محافظه خانيونس ورفع راية حماس بدل منها».

من جانبهم يرى كثير من الفلسطينيين وفصائلهم الوطنية ان الحسم العسكري قد جلب الويلات للشعب خاصة في قطاع غزة. ويقول المهندس جمال البطراوي مسؤول جبهة النضال الشعبي في قطاع غزة« لا يمكن لأي جهة أن تدعي أن مثل هذه الخطوة يمكن ان تحقق أي نتائج مطلوبة على صعيد العمل الوطني الفلسطيني لان حالة الانقسام والتشتت التي حدثت أضرت بالشعب والقضية الفلسطينية على المستويات الدولية والعربية والفلسطينية». وأضاف «أن حالة الانقسام في ذاتها هي التي أضرت بالمصالح الفلسطينية».

وتابع البطراوى: «بغض النظر عن الأسباب فاعتقد انه لم تحقق خطوة حماس النتائج المطلوبة». وألمح إلى ان «الانقلاب في قطاع غزة كان تجربة مريرة، وخاصة انها لم تكن ـ حمساوية ـ خالصة من التدخلات الخارجية المعروفة، التي أثرت بالتأكيد على تطبيق مكونات واليات وأيديولوجية الفكر لدي حماس».

ووصف البطراوى الحسم بأنه «كارثة فاقت في تداعياتها وتأثيراتها ونتائجها أي تصور أو كوارث حلت بالشعب الفلسطيني»، مشيرا إلى انه «ما كان ينبغي لهذه الخطوة الحمساوية أن تكون وتحدث لدى شعبنا الفلسطيني مهما كانت الأسباب والدوافع».

وفى ذات الاتجاه يقول الدكتور أسامة ابو نحل استاذ التاريخ المشارك بجامعة الأزهر بغزة: «حماس أخطأت خطأً جسيماً بدخولها المعترك السياسي وخطوة الانقلاب العسكري وهي تعلم مسبقاً أنها غير مقبولة إقليمياً ودولياً».

وبشأن الخطوات الواجب تنفيذها من اجل تجاوز هذا المأزق، قال نائب رئيس كتلة «حماس» البرلمانية الدكتور يحيى موسى «الأصل أن يتحمل الجميع مسؤولياته الوطنية، بحيث نلملم الجراح وأن نعمل على معالجة وتسوية كافة الاختلافات بالحكمة.

وبالتالي أن يدفع الجميع باتجاه المصالحة والوفاق الوطني، بحيث يكون من هذا التاريخ مناسبة للحوار واستبعاد كافة الضغوطات الخارجية المرتبطة بالاحتلال التي أدت بنا إلى حالة الإنقسام الموجودة». وشدد موسى «على أهمية أن يستجيب الجميع ـ حماس وفتح ـ لعملية مراجعة شاملة تنطلق من مصالح شعبنا».

اما ابو نحل فيرى ان «المطلوب هو إعادة اللحمة الوطنية بين كافة أطياف التنظيمات الفلسطينية». لكنه بدا غير متفائل بتحقق ذلك حيث يقول«اشك كثيراً في عودة الأمور إلى ما كانت عليه، وذلك لسببٍ بسيط هو إن علة الفلسطينيين كشعب تكمن في تلك التنظيمات التي عفا عليها الزمن لكثرة خلافاتها وانشقاقاتها واختلاف أيديولوجياتها».

من جهته قال أمين سر المجلس التشريعي الدكتور حسن خريشة ان« المطلوب من الرئيس محمود عباس تشكيل حكومة مؤقتة من أولى مهامها إنهاء حالة الانقسام القائمة والإفراج عن كافة المعتقلين من كلا الطرفين ووقف حملات التحريض والتحضير لانتخابات رئاسية وتشريعية جديدة على اعتبار أن فترة ولاية المجلس التشريعي تنتهي مع بداية العام 2010».

وشدد خريشة انه«لا يُعقل أن تستمر حالة الإنقسام بين أبناء الشعب الواحد». ودعا إلى «تحلى الجميع بالعقلانية والبحث عن سبل إعادة اللحمة الفلسطينية من جديد». وأشار خريشة إلى أن« الأجواء في العالم العربي مهيأة للعب دور هام في توحيد الصف الفلسطيني، وخاصة بعد مبادرة الرئيس عباس العودة للحوار والمبادرة اليمنية ».

اما جمال البطراوي فيرى ان« الوحدة الوطنية يجب ان تكون هدفا وفكرا وممارسة وان تكون المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني فوق كل الاعتبارات الحزبية». واشار الى «ضرورة اعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطيني على اسس قوية وان تضم المنظمة كافة القوى الوطنية والفصائلية دون استثناء». ورأى أن «الحوار الفلسطيني يجب أن يكون من دون شروط وعلى أساس التفاهمات واللقاءات السابقة والتي كان آخرها اتفاق صنعاء».

غزة ـ ماهر إبراهيم