يوم الأربعاء الموافق السابع والعشرين من فبراير الماضي كان يوماً أسوداً لأسرة المهندس فخر الدين علي البالغ من العمر 39 عاماً عربي الجنسية عندما ذهب إلى مستشفى كلية الخليج الطبية في عجمان لعلاج طفلته مع والدتها واستفسر عرضاً عن الآلام التي ظهرت في أطراف أصابع رجليه وسأله الطبيب هل لديك تأمين صحي؟

فأجاب بلى فأجريت له فحوصات وتبين بأنه مصاب بفشل كلوي وعليه تم نقله بإسعاف إلى مستشفى زليخة بدبي وهناك بدأت فصول المأساة حيث أجرى له غسيل كلوي فارق بعدها الحياة وأصبح في موت دماغي لمدة 46 يوماً إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة في التاسع عشر من أبريل الماضي وأجمع الأطباء بأن الإهمال الطبي هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى وفاة الضحية كما أن التقرير الطبي الصادر من دائرة الصحة والخدمات الطبية يؤكد وجود الإهمال الطبي،

هذه الحادثة أثارت العديد من التساؤلات حول مدى الرقابة الصحية على القطاع الخاص في الدولة؟ وكيف يمكن مواجهة استشراء الإهمال الطبي في القطاع الخاص مع كثرة الأخطاء الطبية والتشخيصية إضافة إلى السؤال الذي يطرح هل يا ترى التأمين الصحي نعمة أم نقمة؟ وما هي الحلول في ظل ازدياد المراجعين للعيادات الطبية الخاصة وكيف يؤمن الناس على حياتهم تحت أيدي أطباء ينظرون إلى المريض كم يدفع؟ وللإجابة على هذه الأسئلة من خلال التحقيق التالي:

بداية الحكاية

تروي أرملة الضحية وقائع فصول المأساة قائلة: كنا نعيش كأي أسرة حياة عادية مع أطفالنا الثلاثة أكبرهم عمره 5 سنوات وأصغرهم الطفلة سارة والتي توعكت في يوم الأربعاء الموافق السابع والعشرين من فبراير الماضي ذهبنا مع والدها إلى مستشفى كلية الخليج الطبية بعجمان لعلاج الطفلة بعد عودته من الدوام وبعد تلقي الطفلة العلاج سأل زوجي الطبيب عن أعراض الآلام التي ظهرت عليه في أسفل القدمين منذ شهرين مؤكداً بأن هذه الأعراض لم تمنعه من أداء عمله في الهيئة الاتحادية للكهرباء فرع عجمان وهنا سأله الطبيب هل لديك تأمين صحي؟ فأجاب نعم!! وأشار إليه الطبيب بعمل تحاليل وفحوصات شاملة لمعرفة أسباب الآلام التي تحدث في أسفل القدمين وبعدها غادرنا المستشفى مع طفلتنا.

وفي يوم الخميس الموافق الثامن والعشرين من فبراير الماضي أخذ زوجي إذناً من الدوام لإجراء بعض التحاليل الطبية وعلى ضوء هذه التحاليل الطبية تبين بأنه مصاب بالفشل الكلوي المزمن وأفاد الطبيب المعالج بأنه يجب أن ينتقل إلى مستشفى زليخة بدبي لعدم وجود قسم خاص بأمراض الكلى بالمستشفى فتم نقله بالإسعاف وهو جالس في الأمام مع والدته قرب السائق إلى أن وصل إلى مستشفى زليخة بدبي لتكملة العلاج.

وأكدت أرملة الضحية بأن سيارة زوجها مازالت متوقفة قرب مستشفى كلية الخليج الطبية على أمل أن يعود لقيادتها ويعود بها إلى البيت ولكن الأقدار ساقته لكي يلقى حتفه بسبب الإهمال الطبي الذي وجده في دبي.

وأضافت: في مستشفى زليخة بدبي أبدى الدكتور أخصائي أمراض الكلى استغرابه كيف يعيش هذا الشخص وأنه في حالة متأخرة جداً جداً من مرض الفشل الكلوي وطلب من الأسرة التعاون التام لعمل التحليلات الطبية بهدف شفاء المريض وكان ذلك الأمر في مطلع مارس الماضي وحينها أحضرت الأطفال لرؤية والدهم وعندما رآهم بكى وقال لهم سوف أعود معكم البيت ولم أضرب أحداً منكم مرة أخرى.

نحر فلذة كبدي

وحول ما جرى في مستشفى زليخة أوضح والد الضحية بأن ابنه جاء إلى الدولة وعمره 9 سنوات ودرس كافة مراحله الدراسية في الإمارات ثم ذهب إلى وطنه فدرس هندسة الكهرباء وجاء ليعمل في الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء مشيراً بأن جميع العاملين في الهيئة يشملهم التأمين الصحي وذلك نسبة لتعرضهم لأخطار الكهرباء خلال عملهم.

وأفاد والد الضحية بأنه فور وصول ابنه إلى مستشفى زليخة قابل أخصائي أمراض الكلى حيث أفاد بأنه مصاب بفشل كلوي وفي حالة متأخرة!! وطلب منهم التعاون التام من أجل إنقاذ حياته وفي حالة عدم التعاون فسيكون غير مسؤول لما يجري له وعليه إدخاله عند الساعة الثانية عشرة ليلاً إلى العناية المركزة بحجة عدم وجود أسرة وبعدها انصرفنا من المستشفى لاستقرار حالته.

ويواصل والد الضحية سرد الحكاية بأن أخصائي أمراض الكلى جاء في اليوم التالي عند الساعة التاسعة صباحاً أخبرهم بأن الغرفة رقم (231) سوف تخلى وينقل المريض إليها وتم ذلك بين الساعة الثالثة بعد الظهر!!

وفي ذلك الوقت كان الضحية بصحة جيدة وتناول وجبة الغداء وبعدها طلب الطبيب من والد الضحية التوقيع على طلب إجراء غسيل كلوي للمريض وعندها تردد الوالد وأخبره الأخصائي بأن المسألة حياة أو موت وطلب دفع مبلغ 3 آلاف درهم قيمة الغسيل الكلوي مؤكداً بأن هذا الأمر لا يشمله التأمين الصحي.

وأكد والد الضحية بأنه وافق على الأمر على مضض من أجل إنقاذ حياة فلذة كبده، مشيراً إلى انه بعد خروج الأطباء من غرفة ابنه حاول أفراد الأسرة الدخول لرؤية أبنهم إلا أنهم منعوا؟

وقال عندما دخلت سألت ابني عما جرى فأجاب بأن الأطباء حاولوا خمس مرات إجراء فتحة في الرقبة، وقد نتج عنها سيل دماء كثيرة وهو يعاني من شدة الألم وحين فشلت كل المحاولات أجريت له فتحة في الفخذ وتم نقله إلى غرفة الغسيل حيث قرر الطبيب مدة الغسيل الكلوي ساعتين.

وأجريت له لمدة ساعة ونصف؟!! وبعدها تم نقله إلى الغرفة وتناول العشاء بمساعدة أخيه وعند الساعة الثانية عشرة ليلاً شعر المريض بألم شديد في الرقبة مع ظهور ورم في منطقة الفتحة! وعند الساعة الثانية فجراً أشتكى المريض من ضيق في التنفس وازدياد الورم حول الرقبة.

وأفاد والد الضحية بأنه تم بعد ذلك نقل المريض عن طريق كرسي متحرك من الطابق الثاني إلى قسم الأشعة من أجل أخذ صورة أشعة وهو يعاني من نقص الأكسجين الواصل إلى الدماغ! وقد مكث المريض نصف ساعة في قسم الأشعة وبعدها حول إلى قسم العناية المركزية وبعدها أفاد الطبيب المعالج بأن دم المريض أنخفض إلى (7) وبعدها بـ 6 ساعات دخل الضحية في غيبوبة ولم يفق منها!

وأكد والد الضحية بأنه تم تقديم شكوى مباشرة إلى دائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي، مشيراً إلى التضارب الواضح ما بين التقرير الطبي الصادر من مستشفى كلية الخليج الطبية بعجمان، ومستشفى زليخة في دبي علماً بأن الفترة بينهما مسافة الطريق فقط مؤكداً بأن هنالك حرباً نفسية مورست على المريض والأسرة ووصف حالته بالمتأخرة على الرغم من انه جاء بالإسعاف جالسا قرب السائق ومعه والدته!

واتهم مستشفى زليخة بنحر ابنه وأكد في الشكوى بأن الحالة التي وصل إليها المريض بسبب الإجراءات وليس بسبب المرض الذي يعاني منه، وذلك في تاريخ الثالث عشر من مارس الماضي قبيل وفاة الضحية بـ 36 يوماً وأفاد تقرير اللجنة التي نظرت إلى الشكوى بأن هنالك إهمالاً طبياً في ملابسات الحادثة وذلك بتاريخ 30 مارس الماضي.

التأمين الصحي نقمة أم نعمة؟

ومن جانبه تساءل حميد تريم الشامسي مدير منطقة عجمان الطبية لماذا لم يحول إلى مستشفى الشيخ خليفة بعجمان، وأبدى استغرابه كيف ينقل بإسعاف وهو قادم إلى المستشفى ويقود مركبته الخاصة ومعه أمه؟!! وأكد بأن هذا الأمر يرجع إلى التأمين الصحي من أجل الكسب على دماء الناس وطالب بضرورة تدخل النيابة العامة في دبي للتحقيق في الحادثة من أجل حماية أرواح الناس وأبدى أسفه الشديد بأن تصبح حياة المرضى مرهونة على الكسب المادي!!

وأكد الشامسي على اهتمام وحرص وزارة الصحة على إحكام الرقابة على القطاع الصحي مشيراً إلى سعي الوزارة من أجل تقديم خدمات صحية متميزة باعتبار القطاع الخاص شريكاً إلا أن ما يحدث يؤكد بأن هنالك نظرة تجارية بسبب التأمين الصحي من أجل كسب مزيد من الأموال على حساب صحة الناس الا أن وزارة الصحة تسعى جاهدة لإحكام الرقابة.

وأبدى الشامسي استغرابه بنقل مريض بسيارة الإسعاف وهو ليس في حالة خطرة وكيف يجلس المريض مع والدته مع السائق في الأمام وأين الممرضة أو الممرض وأجهزة التنفس مؤكداً بأن هذا الأمر يرجع إلى أن شركة التأمين تدفع الثمن!

وطالب بضرورة تشكيل لجنة للتحقيق في حالة الإهمال الطبي أو الأخطاء الطبية من وزارة الصحة مع الهيئة العامة للصحة في دبي أو أبوظبي.

الإهمال الطبي يعادل الخطأ

وفي نفس السياق أكد الدكتور عبد المعطي يونس المدير الطبي بمستشفى الشيخ خليفة بأن الإهمال الطبي يعادل الخطأ مشيراً إلى أن ما ذكر في شهادة وفاة الضحية بأنه غير صحيح موضحاً بأنه توفي بسبب نقص وصول الأكسجين إلى الدماغ، وليس بسبب الفشل كلوي مطالباً بضرورة توضيح أسباب الإهمال الطبي الذي أدى إلى وفاة الضحية.

وأفاد بأن التقرير الطبي الصادر من مستشفى كلية الخليج الطبية أنه يجب تكملة إجراء العلاج وليس عمل غسيل الكلوي مباشرة.

وأشار إلى أن الحالة قد تكون ليس بحاجة إلى إجراء غسيل كلوي مباشرة مؤكداً بان سبب الوفاة ليس الفشل الكلوي إنما نقص الأكسجين الذي يصل إلى الدماغ.

وتساءل هل يا ترى أجري له الفحص الخاص بعدم تجلط الدم وأشعة مقطعية للدماغ تبين هذا الأمر؟

وفي نفس السياق ذكر الدكتور عصام سليمان محمود نائب مدير مستشفى كلية الخليج الطبية بأن المتوفى قدم إلى المستشفى وهو قائد مركبته إلا أنه حول إلى مستشفى زليخة حسب الإجراءات المتبعة بالإسعاف بهدف الرعاية الصحية!

وأكد بأن التحاليل الطبية التي أجريت للمريض أظهرت بأن وظائف الكلى بها قصور وفي حالة متأخرة توجبت نقله إلى مستشفى خاص به قسم أمراض الكلى وعليه تم إعلام مستشفى زليخة بالأمر قبل نقله إلى هنالك من أجل تكملة العلاج فما حدث هنالك ليس مسؤولية المستشفى في عجمان.

وفيما يخص نقل المريض بسيارة إسعاف أفاد أن الأمر يتم في حالة نقل المريض إلى أي مستشفى أخرى ويتحمل التأمين الصحي أجرة الإسعاف!

مؤكداً بأن مستشفى كلية الخليج الطبية ليس يسعى إلى الربح المادي إنما يسعى لتقديم خدمات علاجية راقية باعتباره مستشفى تعليمياً.

المسؤولية الطبية

وفي نفس السياق أكد المستشار داوود إبراهيم أبو الشوارب رئيس محكمة عجمان الابتدائية على وجود المسؤولية الطبية على الطبيب المعالج مشيراً إلى وجود المساءلة القانونية في حالة تبين خطأ الطبيب الفني يسيراً أو جسيماً، وان يثبت بصورة أكيدة وواضحة تبين بأنه خالف الإجراءات المفروض اتباعها عن جهل أو تهاون بقواعد وأصول الطب العلمية الأساسية وان تكون ثمة رابطة بين الخطأ والضرر الذي يلحق بالمريض.

وأفاد أبو الشوارب بأن مسؤولية الطبيب في حالة الخطأ الطبي تحدث في حالة اعتبر فعله خارجاً عن القواعد والأصول العلمية في الطب وأن يسلك الطبيب مسلكا مخالفا أو يهمل خلال العمل الذي لا يصدر من طبيب في مستواه المهني سواء كان ذلك في مرحلة الإعداد للعملية الجراحية أو أثناء إجرائها أو في العناية اللازمة بعد إجرائها، مؤكداً بأن انحراف الطبيب عن هذا السلوك يستوجب مسؤوليته عن الضرر الذي يلحق بالمريض ويفوت عليه فرصة العلاج.

تحقيق: أسامة أحمد

تصوير: غلام كاركر