لم يكن معنيا كثيرا بالالتفات إلي وهو يستمع إلى سؤال وجهته له حول واقع الخدمات المقدمة للمزارعين في المنطقة الوسطى من قبل وزارة البيئة وتشاغل بالبحث بين الأشجار المائلة أوراقها للاصفرار عن شيء ما ربما يكون بمثابة إجابة عن سؤالي له.. حاولت مرات عدة إقناعه بالتحدث إلينا دون جدوى، وغادرت المزرعة ومرافقي يبرر ما حصل بأنه يعود إلى حالة اليأس لدى المزارعين من الاستجابة إلى شكواهم المتكررة.
انتقلنا إلى مزرعة أخرى تجمع بها عدد من المزارعين لنلتقي بهم.. تحدثوا واستمعنا إليهم، وتعددت همومهم التي كانت تمثل صرخة إلى من يهمه الأمر للنظر في شكواهم المتكررة المرتبطة بتدني مستوى الخدمات الزراعية المقدمة لهم من قبل الوزارة وترك الحبل على غاربه لتحكم الآسيوي في سوق الأدوية الزراعية وفرض الأسعار التي تضاعف من معاناة المزارعين.
كما تضمنت صرخة الاستغاثة أيضاً شكوى المزارعين من عدم إخضاع مواد الدعم المقدمة لهم إلى دراسة علمية وتجارب محدودة قبل تعميمها على المزارعين، مشيرين إلى عدم دقة تقارير الوزارة الخاصة بالقضاء على سوسة النخيل الحمراء الآخذة بالانتشار في المنطقة جراء نقص الخدمات الإرشادية من قبل مهندسي الوزارة.
ولم ينس المزارعون التأكيد على ضرورة التنسيق بين الوزارة والبلديات المختلفة في الدولة التي تشترك في مسؤولياتها تجاه المزارعين في المنطقة الوسطى، فيما شكا العديد منهم استمرار مشكلة تأجير المزارع لآسيويين والتي ينتج عنها الكثير من المشكلات المرتبطة باستنزاف المخزون من المياه الجوفية، إضافة إلى تلوث البيئة بسبب اعتمادهم لمبدأ الربح السريع عبر استخدام المبيدات بشكل واسع، إضافة لاحتمالات تحول هذه المزارع إلى ملجأ للعمال المتسللين عبر الحدود مع الدول المجاورة.
الخصخصة في الميزان
المزارع راشد حسين قال إن هموم المزارعين في المنطقة كثيرة يرتكز أغلبها على موضوع الخدمات الزراعية المقدمة من قبل الوزارة، والتي عمدت إلى تقليص خدماتها خلال الفترة الماضية عبر إغلاق المركز الزراعي المتقدم في المليحة، والذي كان يقدم مختلف الخدمات للمزارعين وخاصة الإرشادية منها.
وتخويل المركز في الذيد القيام بهذه المهمة وغيرها من المهام الخاصة بخدمات المزارعين.. موضحاً بأن هذا الأمر انعكس سلباً على أداء الوزارة، حيث أصبح مهندس الإرشاد في الوزارة مضطراً لقطع مسافات طويلة للوصول إلى المزارع المختلفة، وعدم قدرته على تغطية احتياجات جميع المزارع مما جعل الكثير منها يفتقر الى هذه الخدمات جراء ذلك .
ويضيف حسين بأن الوزارة طبقت خلال الفترة الماضية برنامجاً لتقديم الخدمات الزراعية جاءت نتائجه مخيبة للآمال التي تحدثوا عنها كثيراً قبل تطبيقه، مشيراً إلى أن الوزارة وفق هذا البرنامج أوكلت مهام تقديم بعض الخدمات الزراعية متمثلة بمواد الدعم إلى عدد من الشركات الزراعية، الأمر الذي جعل المزارع تائهاً لأيام طويلة قبل الوصول إلى غرضه، وفي كثير من الأحيان وبعد معاناة لمعرفة مكان الشركة التي توزع مادة معينة والوصول إليها يكتشف أن الكمية قد نفدت.
ويرى المزارع يوسف سيف.. أن المزارعين مشتتون ازاء هذه القضية فهم لا يعرفون ماذا يفعلون، بحيث أصبح المزارع في إطار تنفيذ برنامج خصخصة الخدمات الزراعية الذي طبقته الوزارة منذ عامين تقريبا يتحمل أعباءً إضافية لم تكن موجودة في السابق.
مشيراً إلى أنه اضطر إلى قضاء أيام للحصول على الخدمة المطلوبة ، منذ لحظة تقديم الطلب الذي تتلوه مرحلة البحث عن الشركة التي خصصتها الوزارة لتقديم الخدمة المقصودة، موضحاً بأن تكليف عدد من الشركات بتقديم الخدمات للمزارعين مسألة تفتقر للدقة ولم تؤد مطلقاً إلى تحسين الخدمات، بل ألقت أعباء إضافية على عاتق المزارعين، ويؤكد أنه شخصياً بحث مطولاً عن موقع مخازن الشركة التي توزع بذوراً للخضروات، لأن الموقع كان غير ظاهر للعيان ولا يوجد أي علامة تشير إليه.
المزارع حمدان عبدالله أشار إلى أن معظم الإجراءات التطويرية التي عمدت الوزارة إلى تنفيذها أثبتت فشلها ميدانياً لأنها تمت دون دراسة كافية من قبل الوزارة، مشيراً إلى أن تنفيذ هذه الإجراءات كان يتطلب تأهيل كوادر قادرة على التنفيذ وقيادة العملية قبل الشروع في ذلك ، وتوفير كافة وسائل الدعم من المواد المختلفة، مضيفاً بأن الوصول إلى إجراءات ناجحة بهذا الخصوص كان يفترض بالوزارة تطبيق برنامج الخصخصة على نطاق محدود ودراسة نتائج ذلك، ومن ثم تعميم هذه التجارب استنادا إلى النتائج.
غياب الضبط القضائي
ـ المزارع راشد احمد أشار إلى قضية أخرى تمثل جانباً من المعاناة للمزارعين، والمتعلقة بغياب التنسيق بين البلديات المختلفة ووزارة الزراعة بشأن الضبط القضائي والذي ينعكس سلباً على منع التجاوزات من قبل بعض المزارعين لجهة مكافحة الأمراض والأوبئة وخاصة سوسة النخيل الحمراء.
ويشير إلى أن دوائر الزراعة في بلديات الدولة هي المعنية بالضبط القضائي للمخالفين من المزارعين ووزارة البيئة والمياه معنية بالدور الإرشادي وتوضيح مخاطر وباء أو مرض ما وكيفية التعامل معه لتحقيق مكافحة ناجحة للأوبئة، حيث تؤدي الاجتماعات التنسيقية بين الطرفين إلى توضيح الوزارة لحقيقة الوضع المرضي في المزارع، ومن ثم تقوم البلدية بمتابعة تنفيذ المزارعين للإجراءات المتخذة حتى لا يتفاقم الوضع، ويوضح بأن غياب التنسيق جعل الوضع الوبائي لسوسة النخيل يتفاقم.
ويضيف المزارع سلمان راشد أن غياب التنسيق بين هذين الطرفين يؤدي أيضاً إلى غياب الرقابة على طرق الري في المزارع.. مشيراً إلى أن بعض المزارعين يعمدون إلى الري بطريقة الغمر التي تستهلك كميات مياه كبيرة على الرغم من نقص المياه الذي تعاني منه المنطقة، وأشار إلى ضرورة وجود لجنة مشتركة من البلديات المعنية ووزارة الزراعة لمتابعة كافة الإجراءات وضبط المخالفين لها.
الآسيويون يحتكرون الأعلاف
المزارع سعيد خلفان تحدث عن قضية قلة كمية الأعلاف التي تقدمها الوزارة لمربي الماشية، الأمر الذي يجعلهم ضحايا للتاجر الآسيوي الذي يتحكم بقوة في سوق الأعلاف، فيرفع السعر كما يريد، وطالب الوزارة التدخل بهذا المجال عبر زيادة كميات الأعلاف المقدمة لهم، والمساهمة عبر التنسيق مع البلديات بفرض رقابة على محال البيع حتى لا تصل الأسعار إلى الحد الذي لا يستطيع معه مربو الماشية الاستمرار في عملهم.
مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى التراجع في نمو الثروة الحيوانية في الدولة، مشيراً إلى ارتفاع أسعار بعض أنواع الأعلاف بشكل كبير خلال العام الماضي، حيث يقوم التاجر الآسيوي بشراء هذه الأعلاف من إحدى الجهات في الدولة بأسعار مخفضة ثم يقوم ببيعها للمزارعين بأسعار مضاعفة.
ويضيف بأن هناك موضوعا آخر في هذا المجال يتمثل في كون الوزارة لا توفر الطعوم اللازمة للحيوانات، الأمر الذي يجعل الكثير من المزارعين يحجمون عن تطعيم مواشيهم، ويوضح بأن الطعوم التي توفرها الوزارة للمربين غالباً ما تكون في غير موعدها، وبالتالي لا تحقق الفائدة المرجوة منها.
المنطقة الوسطى ترد
وضعنا هذه التساؤلات (الهموم) أمام المهندس عبدالله المعلا مدير المنطقة الوسطى في وزارة البيئة والمياه الذي بادر بالحديث وتوضيح كافة الملابسات حول كل نقطة منها. وحول عدم إخضاع مواد الدعم المقدمه للمزارعين للتجارب لمعرفة مدى صلاحيتها.
قال بأن الوزارة قامت باستحداث مشروع لتجريب مستلزمات الإنتاج الزراعي بناء على القرار الوزاري رقم 286/2004 والذي يقضي بعدم شراء أي مواد من مستلزمات الإنتاج الزراعي (البذور/الأسمدة بأنواعها/المبيدات بأنواعها/البلاستيك الزراعي/مواد الري/مواد الزراعة المحمية) قبل تجريبها من قبل إدارة الأبحاث والإرشاد الزراعي بالوزارة، وضرورة إصدار شهادة لكل مادة بعد الانتهاء من تجريبها لبيان مدى مطابقتها للمواصفات المعتمدة من الوزارة.
مشيرا الى تشكيل فريق عمل ولجنة فنية لهذا الغرض تشرف على القيام بعدد من الخطوات الضرورية المتمثلة بقيام الشركة الموردة للمادة الزراعية بتقديم طلب للوزارة لتجريب المادة، ودراسة الطلب وتحويل المادة للتجريب بعد استيفاء الرسوم المقررة، ثم إعداد تقرير فني يبين النتائج بعد التجربة في إحدى محطات البحوث التابعة للوزارة، وإصدار شهادة معتمدة من إدارة الأبحاث والإرشاد الزراعي تفيد بمطابقة أو عدم مطابقة المادة نتيجة التجربة الفعلية الحقلية وتحاليل المختبر.
وفيما يتعلق بتدني مستوى الخدمات الزراعية المقدمة للمزارعين، قال المهندس المعلا بأنه يعزى للارتفاع الجنوني في أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعية وخاصة في العامين الأخيرين الذي يقابله ثبات في المبالغ المخصصة من وزارة المالية والصناعة لبند مستلزمات الإنتاج (مبلغ الدعم)، وكذلك لقلة الكوادر من الأخصائيين والفنيين.
وخاصة المهندسين والمرشدين الزراعيين الذي يقابله اتساع المساحة الزراعية وزيادة عدد المزارع من عام لآخر وتباعد المواقع ومحدودية وسائل الانتقال، بالإضافة إلى تدني خدمات الآليات والجرارات الزراعية لسد العجز ومواكبة الزيادات المطردة في المساحات الزراعية، علاوة على عدم الإحلال والتحديث للآليات والجرارات الزراعية وإدخال مواد الري ضمن مستلزمات الإنتاج لدعم المزارعين والذي يحمل على نفس البند المالي.
وحول المبيدات والتلوث البيئي، أوضح مدير المنطقة الوسطى بأنه ومنذ العام 199998 رصدت وزارة الزراعة والثروة السمكية في ذلك الوقت كميات ضخمة من المبيدات الكيماوية التي دخلت الدولة وجرى رشها على المزروعات ما نجم عنه تلوث كبير للبيئة والمياه الجوفية، فأخذت الوزارة على عاتقها دراسة أسباب الاستخدام المفرط لهذه المبيدات وما تبعه من تلوث للبيئة وتأثيرات على صحة الإنسان والحيوان.
حيث بدأت الوزارة بالتوجه لتشجيع المزارعين على الزراعة العضوية وتم اتخاذ قرار بالحد من دعم المزارعين بمبيدات كيماوية لمكافحة الآفات الزراعية خاصة ذات السمية العالية، وإجراء عمليات المكافحة الجماعية (الرش الجماعي) إذا ما اضطر الأمر لذلك وباستعمال مبيدات آمنة وصديقة للبيئة ذات فترات أمان محدودة.
ويتم تحديد هذه المبيدات وجلبها من قبل الوزارة، حيث تنفذ عمليات الرش شركات القطاع الخاص تحت إشراف فنيي الوزارة للتحكم التام والحد من التلوث والتخلص الآمن من عبوات المبيدات الفارغة التي استخدمت، بالإضافة لفرض ضوابط وقيود على استيراد المبيدات للتجارة فيها، مشيراً إلى أنه كان للوزارة البصمة الواضحة في إصدار قانون ضوابط المبيدات ما شجع على استخدام المبيدات العضوية ذات السمية القليلة وفترة الأمان التي لا تتجاوز فترة 32 أيام وأصبح مثلاً يحتذى به لدول مجلس التعاون.
سوسة النخيل
وفيما يتعلق بشكوى المزارعين من نقص الأداء الرسمي في مكافحة سوسة النخيل الحمراء ، أكد المهندس المعلا بأن الوزارة تبذل جهوداً ضخمة لمقاومة هذه الآفة الفتاكة بأشجار النخيل من خلال التوعية والإرشاد والزيارات الميدانية للكشف المبكر عن الإصابات وإتباع وسائل المكافحة المتكاملة والبيولوجية وسياسة الترشيد لاستهلاك المبيدات لمنع التلوث البيئي بهذه الكيماويات ما أدى إلى خفض نسبة الإصابة بدرجة كبيرة وعدم وصولها للحد الحرج.
لافتاً إلى ابتكار نظام المصائد الفرمونية الكومونية وتوزيعها على المزارعين مجاناً، كما جرى استخدام تقنيات تلويث النيماتودا وذكور السوسة بفطريات ممرضة تحول دون تخصيب بيوض الإناث ووضع أقراص في أماكن الإصابات تولد غازات تقضي على الطور الضار للحشرة، كما قامت الوزارة بتوزيع أعداد كبيرة من المصائد الضوئية مجاناً على المزارعين للاصطياد والقضاء على الحشرات الكاملة من حفار عذوق النخيل.
ولفت المهندس عبدالله المعلا إلى أنه وعلى الرغم من كل المجهودات التي تبذلها الوزارة إلا أن كثيراً من المزارعين لا يتبعون التوصيات الفنية ولا يطبقونها بحذافيرها لاعتماد بعضهم على العمالة الرخيصة غير المؤهلة، إضافة إلى عدم اكتراث بعض المزارعين للآثار الضارة للمبيدات الكيماوية على البيئة والصحة العامة وإيمانهم بأنها وسيلة العلاج المثلى رغم التوعية المستمرة من قبل الأجهزة الإرشادية بالوزارة.
خالد اللوباني

