من البداية على الرغم من استملاك صورة موكب الحريري يبدو العام 1896 بعيد اليوم. حينها سُجّل أول تسجيل حادث اصطدام سيارة في مدينة نيويورك الأميركية، حين اصطدمت سيارة هنري ويلز بدراجة هوائية. يمكننا اليوم التحسر على ذلك النوع من الحوادث، الذي استحق، حينها، احتلال صدر الصفحة الأولى لجريدة نيويورك تايمز.
لصحف اليوم حصة من حوادث القتل بالسيارات، التي استهدفت، عمداً، وجوها سياسية عربية وعالمية بارزة، تبدأ اللائحة باسم كينيدي الأشهر، ولا تنتهي بالرئيس اللبناني رفيق الحريري.في هذه الأخبار، تتحول السيارة إلى أداة فتاكة للقتل، مهما زادت تجهيزات السلامة فيها، ومهما ارتفعت درجة الاحتياطات الأمنية المتوفرة. وبعد التفلت من هول الصدمة، يمكننا طرح التساؤل، عمن يستفيد من الآخر: السيارة المعروفة، أم الإنسان المشهور؟
ربما ستدفعنا هذه الأحداث، للاستفسار أكثر، عن مزايا شاحنة الميتسوبيشي، التي وجدت لجنة التحقيق الدولية أنها ربما تكون أداة التفجير الأساسية لمركب الرئيس اللبناني الراحل رفيق الحريري. سنسأل عن هذه الشاحنة البيضاء، التي واجهت صورتها كاميرات العالم، بعد أن نجحت في التغلب على موكب السيارات المصفحة، الذي كان يتألف، عادة، من 4 سيارات من نوع مرسيدس طراز 600،
إلى جانب سيارات الشيروكي الخاصة بالحراسة، وسيارة أخرى من نوع تويوتا لاند كروز.المتناثر في الحفرة المعروفة، لمخيلتنا «الكوارثية» الحديثة، إلا أن هذه الحداثة لا تلغي مجموعة من الأسماء التي قضت في حوادث سيارات مفجعة، استطاعت أن تنهي حياة كثير ممن اعتقدنا أنها لا يقهرون. ففي النهاية، كان الحديد يثبت أنه أكثر قوة من الحياة.
فما زال الناس يذكرون الماضي القريب، وحادث الاصطدام الشهير الذي أنهى حياة الليدي ديانا سبنسر، طليقة ولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز، ليموت معها المصري دودي الفايد، والذي شكّل آخر حبة من عقد عشاقها المنفرط. لفظ العاشقان أنفاسهما الأخيرة، تحت نفق جسر مائي، في سيارة مرسيدس 600، أيضاً، بعد وصولهما إلى باريس بساعات، في الثلاثين من أغسطس 1997. حينها، انطلقت السيارة مسرعة، هرباً من عيون مصوري الباباراتزي، فأوصلت ركابها إلى الموت.
ولم تكن تلك المرة الأولى التي تموت فيها أميرة على الطريق، إذ شهد العام 1982 وفاة أميرة موناكو غريس كيلي، نتيجة حادث اصطدام مروّع.
كما كان للرؤساء حصة أيضاً من الموت على الطرقات، خاصة في الماضي، حيث كانت أغلب السيارات مكشوفة. ما أدى إلى اندثار هذه «الموضة» منذ اغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جون إف كينيدي عام 1963، بعدما استهدفه هارفي اوزوالد برصاصتين قاتلتين من الخلف، أثناء ركوبه سيارة من نوع فورد، مع زوجته جاكلين. دأب الخبراء، منذ ذلك الوقت، على العمل على تصميم سيارات تؤمن أقصى درجات الأمن الممكنة، للساسة والمشاهير، دون إيلاء كثير اهتمام للجماليات.
فنظراً للمخاوف الأمنية السائدة، تزود هذه السيارات، حالياً، بألواح من الصلب وإطارات شديدة القوة، لتكون حصناً منيعاً في مواجهة أي هجوم. ففي بداية ولايته الثانية، حصل الرئيس الأميركي جورج بوش على سيارة من طراز كاديلاك، موديل «دي تي إس»، يبلغ طولها أكثر من ستة أمتار.
وتسمح هذه المساحة الداخلية للسيارة، بأن يتابع الرئيس أمور الدولة، وهو داخل السيارة، نظرا للإمكانيات المتعددة التي تضمها، لكونها مزودة بمكتب صغير، يمكن طيه بعد استخدامه، مع مركز اتصالات. وأشارت تكهنات وسائل الإعلام، حينها، إلى أن الاحتياطات الأمنية التي جهزت بها هذه السيارة، تثير دهشة أفضل خبراء الأمن. فقد زودت أبوابها بطبقة من مادة التيتانيوم والخزف،،
يبلغ سمكها 12 سنتمترا للحماية من أي هجوم صاروخي قد تتعرض له. كما تتميز إطاراتها بقدرة فائقة على تحمل طلقات الأسلحة الآلية. وحتى في حالة حدوث أية مشكلة للسائق، فإن السيارة مزودة بنظام تحكم آلي، عن طريق القمر الصناعي، يرشدها إلى مكان آمن.
نجاح غير مضمون
لكن، يبدو أن كل التجهيزات والاحتياطات الأمنية التي تزود بها سيارات الساسة، لا تقيهم من غصب النار والفولاذ، مهما علت درجة إتقانها. والدليل على ذلك، كيف تحولت سيارات موكب الرئيس الراحل رفيق الحريري، كما لو أنها علب مشروبات غازية فارغة.
ما دفع بمجموعة من الشركات الألمانية والسويدية العالمية، التي تعمل في مجال تأمين الحماية الخاصة للسيارات، عبر التصفيح ولاذي، والوسائل الإلكترونية الحديثة، إلى عقد اجتماع طارئ في فرانكفورت الألمانية، لبحث الأسباب التي أدت إلى إخفاق الأنظمة التي زودت بها سيارات الحماية الخاصة المرافقة لموكب الحريري.
وقال متخصص، طلب عدم الكشف عن اسمه، يمثل إحدى الشركات الألمانية المتخصصة في تصفيح السيارات وحمايتها، لوكالة قدس برس» حينها، إن سيارات الحريري، تم تصفيحها بطريقة خاصة، وباستخدام أنواع محددة من مادتي الفولاذ والتيتانيوم مشيرا إلى أن التصفيح مصمم لصد هجمات صاروخية، وعدم التأثر بأعتى الألغام الأرضية.
وأضاف أن الموكب مزود بأحدث وسائل التشويش الإلكتروني، التي تم تطويرها في السويد، بالتعاون مع شركاء أميركيين. موضحا أن الموكب مزود بنظام حماية معروف باسم «إيه إم بي إس»، بحيث يتمكن النظام المذكور من قطع كل أشكال الاتصالات في محيط تحرك الموكب، وهذا يضمن عدم تمكن منفذي محاولات الاغتيال من تفجير عبوات ناسفة عن بعد، وعدم تمكن حتى الطائرات من إطلاق صواريخها الموجهة باتجاه هدفها.
وأشار المصدر، إلى أن نظام الحماية عبر التصفيح، عندما تم تصميمه في ألمانيا، منح على أساس أن نسبة نجاحه في التصدي للانفجارات والصواريخ تصل إلى نسبة 100 في المئة، أما نظام التشويش الإلكتروني عبر الأقمار الاصطناعية فإن نسبة نجاحه تصل إلى نحو 90 في المئة، بحسب الشركة المطورة له.
لكن، تبقى الإجابة عند لجنة التحقيق الدولية، التي تتولى التحقيقات في قضية اغتيال الرئيس الحريري، التي كشفت «سر» عدم فعالية أي من هذه التقنيات الوقائية، مع اكتشافها أن طريقة التفجير كانت عن طريق شحنة متفجرة سلكية، بزنة هائلة، حوتها شاحنة المتسوبيشي الشهيرة.
هواية وإعلان
ولا يقتصر طلب الشخصيات المعروفة عالمياً، من سياسيين أو رجال مجتمع وفن، على السيارات الحديثة أو الآمنة. بل إن بعضهم كان يقتني سيارات بعينها، لهواية أو لمجرد الرغبة في ذلك. فقد كان البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، يملك مجموعة من السيارات الخاصة، أشهرها كانت السيارة التي سميت «باباموبيل»، أو سيارة البابا، وقد صممت خصيصا من أجله.
وأدت هذه الشهرة التي لاقتها «سيارة البابا»، إلى تنافس شركات أودي وفولكس فاغن وبي إم دبليو، للفوز بعقد تصميم وإنتاج سيارة البابا الجديد بنديكيت السادس عشر، التي سيستخدمها في تنقلاته. وما زال متحف شركة مرسيدس في مدينة شتوتجارت الألمانية، يحتفظ، حتى اليوم، بطراز الليموزين من السيارة الألمانية الشهيرة المعروفة باسم «آديناور»، والتي كان يستخدمها المستشار الألماني المعروف، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
ومن الشخصيات الفنية العربية القليلة، التي ارتبط اسمها بسيارة معينة في المجال المهني لا الشخصي، فنجد المغني اللبناني راغب علامة، الذي عقد «حلفاً» مع شركة المرسيدس، في حملة للترويج لسيارة CLS حين طرحها. لكن الحملة الترويجية لم تكن تقليدية مباشرة، كما اعتدنا، بل كانت من خلال اعتماد الموديل الجديد من السيارة،
في الكليب الغنائي الذي صوره الفنان لأغنية «نسيني الدنيا». ويبدو أن هذه الطريقة لاقت الكثير من الرواج، وحققت النجاح الإعلاني المطلوب للسيارة، حتى أنها حققت معجبين بالسيارة، بغض النظر عن إعجابهم بالأغنية المطروحة
كتبت لميس حطيط

