دقائق وساعات وأيام ثقيلة، عاشها جميع من يتلذذون اليوم بالإمساك بمقود سياراتهم، ويتفاخرون بسرعة وأناقة ما يركبون، وربما أنهم نسوا يوماً أو تناسوا تلك الفترة التي كانت تتردد فيها أقدامهم وترتعش أجسادهم، ولا يستطيعون قهر البطء في سيرهم أثناء محاولاتهم الحصول على رخصة القيادة في حركات مثالية وتقيد بأدق التفاصيل والقوانين، والتي استغنى عنها اليوم العديد ممن تجاوزوا تلك المرحلة، لا بل صار يزعجهم مشهد ذلك الشاب الذي يقبض على المقود بكلتا يديه، ويسير في بطء وتردد وتركيز مرتبك، وعيناه لا تتطلعان إلا الى رخصة القيادة.
أما هم فلا يترددون في إطلاق العنان لمنبه الصوت عندهم، أو التلفظ بشتى جمل الاشمئزاز والغضب متجاهلين كم كانت تزعجهم هذه المواقف في عهد ولى بالنسبة لهم. مواقف وطرائف كثيرة تصدر عن أولئك المتدربين لقيادة السيارات، وبعضها لا يثير إلا الضحك والاستغراب.
«البيان» التقت الفاحصين في معهد الإمارات لتعليم قيادة السيارات، فكان القليل من كثير تلك المواقف، والتي وصفوها بالخطيرة والطريفة في آن واحد.
* حالات ارتباك...الملازم أول علي محمد سعيد، رئيس شعبة مرور معهد الإمارات قال: ان الخوف والارتباك شيء طبيعي بالنسبة للإنسان، ومعظم المفحوصين يكونون في حالات ارتباك متفاوتة، وهو لا يؤهل بعضهم للحصول على الرخصة، أما المواقف الطريفة فهي كثيرة، ويعيشها الفاحصون كل يوم، والتي قد تشكل خطراً على حياة من في السيارة لولا مقدرة الفاحص على التدخل والسيطرة في الوقت المناسب، وبالنسبة له فقد عاش بعض تلك المواقف، واحد منها كان لمتدرب أراد تشغيل السيارة، فظل يحاول لأكثر من خمس دقائق دون ان يهتدي الى مكان التشغيل، وفي النهاية وضع المفتاح مكان الولاعة وصار يدور فيه، وآخر أراد الانطلاق فتوقف المحرك عن العمل، وحاول تشغيل السيارة ثانية، لكنه أصر مرتبكاً على الإمساك بمفتاح المكيف، واستمر في تحريكه يميناً ويساراً، وهذه التصرفات ناجمة عن حالة الارتباك الشديدة التي يعيشها المفحوص أثناء الامتحان.
* لايقوى على القيادة
ويضيف: مفحوص آخر كان عليه وضع الغيار الأول والانطلاق، فلم يعرف أين يضع رجله، وظل يضرب بها بالقرب من «دوسة الكلتش»، وبقيت أراقبه لبعض الوقت، مع ذلك لم ينجح بتحسس تلك الدواسة، عندها اضطررت لإنزاله من المركبة، فمثل هذه الحالات تكون في وضع شديد الارتباك، وهو ما لا يؤهلها لقيادة المركبة إطلاقاً.
* يعقد الحزام
الوكيل أول عدنان المقهوي، أحد الفاحصين في معهد الإمارات، كان له نصيب من تلك المواقف الطريفة والعفوية من المفحوصين، وأحدهم كان يمتحن لرخصة سيارة ثقيلة، وبدلاً من ربط حزام الأمان بصورة عادية صار يعقده على بطنه، وعلى ما يبدو فتصرفه ناجم عن أنه معتاد على ربط سرواله، لأنه من جنسية دائماً ما يربطون سراويلهم.
* «بيب بيب»
ومفحوص آخر رأى شخصاً يريد قطع الطريق، فصار يحاول إظهار معرفته بالقانون والتصرف السليم بالضغط على منبه الصوت، لكنه لم يدرك مكانه، وإذا به يقول بصوت عالٍ: بيب بيب!
وأضاف أن متدرباً آخر أثناء الامتحان أراد الالتفاف يساراً، وكانت سيارة قادمة من الاتجاه الآخر، فتوقف المفحوص فجأة وسط الشارع، والسائق الآخر ضغط على الفرامل بقوة، عندها نزلت من السيارة لأرى ما حدث، وطلبت من المتدرب أن يخرج، لكنه لم يفعل وكررت ذلك دون جدوى، ففتحت الباب، وإذا به متشنج على المقعد، فحملته وأنزلته على الأرض.
* الجميع في الخلف
وأشار عدنان أنه في إحدى المرات جلس في سيارة الفحص بانتظار المفحوصين، وكان معه أربعة أشخاص نحيفو الجسد، ولشدة ارتباكهم لم يتقدم أحدهم ليقود السيارة، فنظرت إلى الخلف وإذا بهم الأربعة جالسين والأبواب مقفلة.
واحد من المواقف اللافتة أيضاً كان لمفحوص فئة «ثقيل»، وحسب ما يقول، هذا الشخص كاد أن يتسبب في حادث كبير، عندها تدخلت وضغطت على الفرامل بقوة، وبعد أن توقفت الحافلة، انتظرت المفحوص التالي ولم يأت، فنزلت وإذا بجميع من يجلسون في الخلف يتأوهون من الآلام في ركبهم نتيجة لارتطامهم بأرضية الحافلة عند التوقف المفاجئ، وفي ذلك اليوم امتحنتهم جميعاً، ولم ينجح منهم أحد بسبب الآلام الشديدة والارتجاف في أرجلهم.
الملازم عبدالله علي، في معهد الإمارات قال إن النتيجة سواء كانت ناجح أو راسب هي لمصلحة المفحوص أولاً، والشرطة أثناء الفحص تنظر إلى مخارج للنجاح وليس للرسوب، أما الارتباك والخوف فهي حالة طبيعية عند المفحوصين، نتيجة لما تمثله كلمة «ليسن» بالنسبة لهم، سواء في الوظيفة أو في المركز والمكانة، وضعف المفحوصين يكون إما بسبب قلة التدريب الميداني أو بسبب القلق والتوتر والارتباك، وهي تمثل معظم الحالات.
* حجب الرؤيا
أما المواقف الطريفة فهي كثيرة، ومنها أن بعض المفحوصين وبعد أن يطلب منهم ترك مقود السيارة بفعل أخطائهم ورسوبهم، يثيرون ضجة من دون وعي، فيقولون «من حقي 45 دقيقة كاملة، وأنا دافع ثمنها فلوس».
وارتباكهم يجعلهم لا يفرقون بين الامتحان والتدريب، ويوجد آخرون عندما يجلسون على مقعد الفحص يسألون «الجير عادي أم أوتوماتيك»، وهذا بسبب قوة الارتباك التي يعيشونها، والتي تحجب عنهم الرؤيا والتفريق في أبسط الأشياء.
سالم سيف، أحد الفاحصين في معهد الإمارات يؤكد وجود الأخطاء الناجمة عن حالة الارتباك التي يعيشها المفحوص لحظة الامتحان، وما حدث معه أن طالباً أثناء الامتحان كان عليه الرجوع إلى الخلف، فوضع «الجير» في الأول، وصار ينظر للخلف والسيارة تتقدم، وظل على هذا الحال وهو لا يشعر بتقدم السيارة حتى دعم الرصيف، عندها أنزلته، وبالتأكيد لم تكن نتيجته ناجح.
من NEXT؟
أما زميله علي أحمد فحصل معه ذات مرة أن أحد المفحوصين انتهى من الامتحان، فقال «NEXT»، أي التالي، فقال أحد المفحوصين، والذي لا يعرف معنى هذه الكلمة «اللي اسمه نكست ينزل بدنا نخلص».
* يهرب من السيارة
إبراهيم حسن العلي، فاحص آخر في معهد الإمارات، وحسب ما يقول فهو عاش الكثير من المواقف الطريفة والمخيفة في آن معاً، واحدة منها كانت لمتدرب يسير في شارع عام، وكان في السيارة ثلاثة آخرين، وفي الاتجاه المعاكس اصطدمت سيارة بالرصيف، فنتج عنها صوت كبير.
وفجأة فتح المفحوصالباب رغم أنه يقود السيارة، فحاول الهرب حتى دون أن تتوقف السيارة وأن ينزع حزام الأمان، فأمسكته بقوة لأنه كاد أن يعرض حياتها للخطر.وعلى ما يبدو فإن قوة ارتطام السيارة الأخرى جعلته يظن أنه من تسبب في الحادث، فحاول الهرب نتيجة لارتباكه.
* جني داخل
ويقول يوسف العلي من الفاحصين في المعهد أن مفحوصاً كان معه، وعندما أراد الالتفاف انطفأ محرك السيارة، فأعاد تشغيله وحاول التقدم وهو مرتبك، فانطفأ ثانية لأنه فقد التوازن، عندها نزل من السيارة مرعوباً وقال «بابا هذا سيارة ما يمشي في جني داخل».
أما الفاحص عمر عبدالله، فأحد المفحوصين معه أراد أن ينطلق من موقف جانبي دون أن ينظر في المرآة، وكانت سيارة مسرعة مقتربة وفيها امرأة، وكاد ان يقع حادث لولا التدخل في الوقت المناسب، وبعدها كرر المفحوص الخطأ نفسه، وهو ما تسبب في رسوبه، وللمفارقة وبعد نحو نصف ساعة التقينا مع الامرأة نفسها في محطة للبترول، فهاجمتنا قائلة «أكيد رسبتّو مو حرام عليك»، فأجبتها: طبعاً لو اصطدمت سيارتك بنا لكان رد فعلك مختلفاً.
محمد عبدالله فاحص آخر في معهد الإمارات لتعليم قيادة السيارات يروي أنه ذات يوم، وبينما كان يمتحن أحد الطلاب، وإذا بقط يهم في قطع الشارع مكان مرور المشاة، فتوقف المفحوص، وأعطى الإشارة الرباعية في انتظار القط الذي بدأ يسير ببطء وهو يقطع الشارع، وبعدها انطلق المفحوص، فكان الموقف طريفاً في أن يسير القط مكان المشاة، وأن تتوقف سيارة من أجله، وهو تصرف صحيح، ولو أن الممتحن لم يتوقف لكانت نتيجته راسباً، ومن حسن حظه أنه نجح في ذلك الامتحان.
مواقف كثيرة يعيشها الفاحصون مع ممتحنيهم كل يوم، الذين أجمعوا على خطورة ودقة عملهم، حيث إنهم يأخذون على عاتقهم مرافقة أناس من مختلف دول العالم ولا يملكون رخص قيادة، وهو ما قد يعرض حياتهم للخطر.
وهذه المواقف تكون في غالبها خطيرة وشديدة لحظة وقوعها، ومثيرة للضحك والاستغراب فيما بعد، وكثيراً ما يفرط الفاحصون في الضحك بعد أن يتذكروا مواقف معينة، وحينما يجتمعون لاستذكار ما عاشوه في ذلك اليوم مع ممتحنيهم.
كتب: عنان كتانة - تصوير:عماد علاءالدين