إجازة من الكتابة؟ قد يبدو الأمر مستعصياً عليّ، وقد اعتدت أن تكون أوّل "صباح الخير" ألقيها كل نهار موجهة إلى أزرار جهاز "اللابتوب". لكنني، من الغد، سأهجر الجهاز، إلى حين، وأفتش عن وجوه أحبة ألقي عليها تحية الصباح وأخبار المنامات أو كوابيس الليل، فأخفّف قليلاً عن القراء. فمن قال إن القارئ لا يحتاج، أحياناً، إلى أجازة أيضاً، مما يداوم على قراءته كل صباح؟
لا يمكن لكاتب، فعلاً، أن يهجر كتابته. والكتابة أفكار، وسواء تحولت هذه الأفكار إلى أخبار، أو بقيت في الذهن والقلب، فهي حاضرة تنبض ولا تنضب. لكنها، في آلية التفريغ اليومي، يصيبها في مرات تشتت أو ترهّل أو إطناب أو تكرار، وهي من علل الكتابة، وتحديداً كتابة المقالة اليومية. لذلك فإن الانقطاع عن آلية التفريغ تلك، قد يكون مفيداً من أجل البقاء على الأفكار أكثر جلاء ووضوحاً وتجدداً.
وعلى مدى الشهور الستة الماضية، لم تخرج، إلا نادراً، أفكار هذه المقالة عن تطورات الأحداث في العالم العربي. كيف تفعل ونحن نعيش فصلاً جديداً من تاريخ هذه المنطقة والقومية؟ وبموازاة تلك الكآبة الوجودية التي تضربني في أيام، كموجة عاتية، فتشعرني بالإحباط وبعدم جدوى الحروف، في وقت سفك الدماء، إلا أنني في كل مرة كنت أعود فيها إلى أزرار "اللابتوب" (كان بودّي القول إلى قلمي، فهذا أكثر سحراً، لكنه ليس الواقع).. كنت أفعل ذلك لأنني لا أعرف أن أفعل شيئاً آخر غير الكتابة. ولو كنت أعرف كيف أبلسم قلوب الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن والرجال الذين فقدوا عزتهم، وأسعد الأطفال الذين سرقت حياتهم، والمدن التي دمرت روحها، والقرى التي سحقت مساكبها.. لو كنت أعرف طريقة أخرى، لما كتبت!
أرسلت لي قارئة ذات يوم رسالة تقول فيها إنها "تفتتح صباحها بفنجان القهوة ومقالتي"، وقد سعدت لذلك، فأنا من عشاق رائحة القهوة، رغم أنني أمتنع عن احتسائها في كثير من الأحيان. لهذه القارئة، ومثلها، أودع تحية وأوصيها.. بأن تظل "الركوة" على النار!