كان لي كوان يو الدكتاتور المفضل لدى العالم الديمقراطي، فعلى امتداد نصف قرن ساعد الزعيم السنغافوري الذي توفي، أخيرا، عن واحد وتسعين عاما بلاده على الانطلاق من مركز تجاري متواضع يحتله البريطانيون إلى واحدة من أغنى دول العالم.

وكانت آراؤه محط اهتمام من جميع الرؤساء الأميركيين، وكثيرين غيرهم من القادة العالميين، الذين قيموا رؤاه حيال الصين والرأسمالية وما أسماها «القيم الآسيوية». ومن بين هذه القيم، الانضباط الصارم وتجاهل الديمقراطية، التي ادعى كوان أنها ليست مناسبة للدول النامية. وخلال فترة حكمه رئيسا للوزراء بين عامي 1959 و1990 أوجد نظام إدارة عاما للبلاد يشتهر بكفاءته وقلة الفساد، حيث أصبح القاعدة التي انطلق منها الاقتصاد السنغافوري.

واستطاع كوان إدارة بلاده وصولا إلى الاستقلال عن بريطانيا، وخلال انفصال مؤلم عن ماليزيا أيضا وحروب متعددة والاضطرابات في جنوب شرق آسيا، وذلك بينما أنشأ مجتمعا خليطا من الاعراق الصينية والمالوية والهندية. وتصدى كوان لأي شخص اعتدى على النظام العام في بلاده بدءا ممن يمضغ العلكة في الشوارع والنقاد والمعارضين السياسيين، وقال لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2010: «كان يتوجب علي فعل بعض الأمور السيئة مثل احتجاز بعض الرفاق في السجن دون محاكمات».

وقضى شيا ثاي بوه وهو أحد المعارضين في السجن مدة ثلاثة وعشرين عاما دون تهمة أو محاكمة منذ عام 1966، وفي الآونة الأخيرة، سجن رئيس حزب المعارضة شيسون خوان بسبب القائه خطابات في الأماكن العامة دون تصريح مسبق وقوله إن القضاء غير مستقل فضلا عن تعرضه للإفلاس بسبب قضايا قذف.

ولم تمنع أي من هذه الاجراءات أجيالا عدة من قادة الولايات المتحدة وأوروبا من طلب المشورة من كوان وتقدير حكمته، وقال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسنجر إنه ليس هناك من قائد في العالم «علمني أكثر من كوان»، وقال عنه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير إنه «أذكى قائد رأيته في حياتي»، وكان كوان داهية في الحكم على جارة بلاده الصين وقادتها، واحترمته بكين أيضا، وفي أحيان كثيرة ساعد الشرق والغرب على فهم أحدهما الآخر، وستحتفظ بلاده بنجاحها فقط في حال تخلى خلفاؤه عن الجانب المظلم في إرثه.