منذ نجاح حلف شمال الأطلسي «ناتو» كحصن دفاعي ضد الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، اتجه الحلف نحو تقلد دور جديد أكثر اتساما بالطابع الهجومي، وتمثلت استراتيجيته الجديدة بوضوح في كوسوفو عام 1999 ثم في أفغانستان، وأخيرا في الإطاحة بنظام معمر القذافي في ليبيا، التي تواجه حاليا تهديدا يتمثل في تقدم عناصر «داعش»، التي تعد آخر تهديد للاستقرار الإقليمي للحدود الجنوبية والشرقية للحلف.
ولكن أعظم أولوية لـ«ناتو» تتمثل في تلك الأولوية الأصيلة المتعلقة بروسيا، وفي عالم مليء بالمخاطر كهذا، هناك أماكن قليلة جدا تبدو فجأة أكثر خطورة من تلك الموجودة في الفناء الشرقي للحلف.
وعند هذه النقطة تحديدا يظهر سؤالان، أحدهما: هل لدى الناتو الإرادة والقدرة لتلبية هذا الالتزام؟ وأين بريطانيا من كل هذا؟ وربما تكون بريطانيا قوة معتدلة في العالم، في ظل تحول التوازن الاقتصادي من أوروبا إلى آسيا، ولكنها في «ناتو» تظل مع ذلك محورية.
بريطانيا تظل لاعبا أساسيا فيه، فهي ليست شريكة للدول النووية فحسب، بل أشد مناصرة وأقرب حليف للولايات المتحدة، من حيث تبادل المعلومات الاستخباراتية والعمليات الحربية والأجهزة القابلة للتشغيل المتبادل.
ويبدو أن هذا الدور بات يواجه خطرا ما، فالإنفاق البريطاني العسكري سبق أن تراجع ليقترب من 2% اجمالي الناتج المحلي، الذي يلتزم به أعضاء «ناتو»، وتشير التوقعات في هذا الشأن إلى أن الانفاق سينخفض لنحو 1.7% بحلول عام 2020، ومن المزمع إجراء انتخابات في البلاد قريبا، حيث ستهيمن عليها القضايا الاقتصادية والدستورية وعلاقتها مع أوروبا.
وتظهر استطلاعات الرأي قلق الناخبين المتزايد حيال تراجع نفوذ بريطانيا على الساحة العالمية.
ويتضاءل هذا القلق بجانب القلق السائد في واشنطن، وحذر مسؤولون وقادة عسكريون أميركيون وناشدوا بريطانيا أن لا تقلل الانفاق العسكري أكثر مما فعلت، وأعربت سامانثا باور، السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، عن الرأي ذاته في رسالة بعثتها إلى بروكسل.