قد يكون من اليسير للغاية النظر إلى الصراع الروسي الأوكراني باعتباره صداماً آخر بين أمتين تتم تسويته إما بالقوة وإما إعادة التوازن بين مصالح كل من الجانبين. ولكن هذا الصراع الذي استمر لأكثر من عشرة شهور يقتضي رؤية بديلة تتمثل على أفضل نحو في نوعية الوسطاء الذين تفاوضوا حول اتفاقيتي وقف إطلاق النار اللتين استهدفتا إنهاء هذه الحرب.
كان الوسيط في اتفاقية وقف إطلاق النار الأولى التي تم دعمها في سبتمبر الماضي، ولكنها تداعت سريعاً عقب ذلك، منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وهذه المنظمة التي تقوم على أساس المبادئ المشتركة بين الغرب والاتحاد السوفييتي آنذاك، والتي تضم 57 دولة، تم تأسيسها خلال الحرب الباردة، وكانت الراعي على الأرض في أوكرانيا بين القوى المتنافسة، ولكنها تعد كذلك أيقونة للمبادئ الشاملة التي تتجاوز النزعة القومية.
وكان الوسيط في اتفاق وقف إطلاق النار الثاني الزعيمان الرئيسيان للاتحاد الأوروبي، وهما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، وقد مثل الاتحاد الأوروبي منذ معاهدة ماسترخت في 1992 محاولة للارتقاء فوق الصراعات الجيوسياسية التاريخية للقارة وإنشاء كيان عابر للقوميات.
والصدام الحقيقي في أوكرانيا هو بين الرؤية القديمة للجيوسياسة باعتبارها صراع قوى بين الأمم، والنظرة الأحدث إلى الأمم التي تجمع شعوبها في إطار مثل عليا تتقاسمها.
وبينما تم إنشاء العديد من المنظمات العبارة للقوميات في العقود الأخيرة، فإن الاتحاد الأوروبي يظل بوتقة لتجريب كبير في التفاصيل العملية لـ320 مليون نسمة يعيشون بمقتضى أهداف مشتركة فيما هم يقيمون في دول قومية متمايزة. وطلبت أوكرانيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي أثار حنق روسيا، بحيث انتزعت جزءاً منها هو القرم. وينبغي النظر إليه من خلال هذه العدسة.
ويحذر استراتيجي كبير هو هنري كيسنغر من أن العالم لايزال يواجه قوى الفوضى مثل أسلحة الدمار الشامل وتفكك الدول. ويتساءل: «هل نواجه مرحلة تحسم فيها قوى تتجاوز الضوابط الخاصة بأي نظام عن المستقبل؟».