بينما تجاوزت مجموعة من الدول الاستبداد أو الصراع، في نصف القرن الماضي، حاولت دول كثيرة تحديد مدى العقاب الذي ستلحقه بجلاديها السابقين، أو الصفح عنهم، وهذا يتوقف على جرائمهم، أو أسفهم الشخصي العميق، أو الجدوى المدنية. وأوكرانيا، التي تم تأمين ثورتها من خلال إجراء عمليتين انتخابيتين خلال العام الجاري، هي أحدث دولة تواجه هذا المأزق الأخلاقي. ففي أكتوبر الماضي، شرعت بمحاكمة الأنشطة السابقة لنحو مليون موظف، حالي أو سابق، في الحكومة، وذلك بموجب قانون جديد حول «التطهير»..

وقد تمت بالفعل الإشارة بأصابع الاتهام إلى مئات الأوكرانيين، أو تم طردهم، أو منعهم من الخدمة العامة لمدة 10 سنوات. لقد كانت للعديد منهم علاقة بالأجهزة الأمنية في الحقبة السوفييتية للبلاد، يستند قانون أوكرانيا للتطهير إلى التجربة المتنوعة للجهود المماثلة في دول أخرى في أوروبا الشرقية بعد ثوراتها. ستواجه البلاد بلا شك تحديات قانونية لعدم السماح بمبدأ افتراض براءة المتهم، أو لكونها مفرطة في تشددها تجاه مجموعات كاملة من الموظفين المدنيين.

إلا أنه بدرجة أكبر من مواجهة المشكلات القانونية، لا ينبغي أن يؤدي القانون إلى مزيد من التمزق لبلدٍ ما زال يواجه تمرداً في جزئه الشرقي الناطق بالروسية، وهو بلدٌ واقع في صميم توترات القوى الكبرى بين روسيا والغرب. يبرز العراق كمثال لمدى إمكانية أن تغرس العدالة بالجملة، دون التساهل مع الأفراد، بذور الصراع في المستقبل. ففي عام 2003، بعد الإطاحة الأميركية بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، تم حظر حزب البعث الحاكم بأكمله من الخدمة، ومنعه من العمل سواءٌ في الخدمة العامة، أو قوات الأمن العراقية.

وعمل هذا الأمر على إيجاد الاستياء بين الأقلية السنية التي هيمنت على البلاد في وقت من الأوقات، وساعد على إيجاد الظروف المناسبة لظهور تنظيم «داعش». ويكمن المثال الإيجابي في لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، التي منحت العفو لأولئك الذين اعترفوا بالحقيقة عن جرائمهم وآثامهم خلال حقبة الفصل العنصري.

إن الأوكرانيين على حق في ردع الفساد والدكتاتورية من خلال العقاب والمساءلة. غير أن العدالة لن تأخذ مجراها دون بعض الرحمة لأشخاص ندموا بصدق، وأفشوا تفاصيل جرائمهم بالكامل. ينطوي العدل الأفضل على علاج علاقات يمكن أن تؤدي لاستعادة مجتمع سلمي. يجب أن يستهدف قانون «التطهير» تفكير الفرد وكذلك أفعاله السابقة. وينبغي إعادة إعمار أوكرانيا بمساعدة جميع مواطنيها.