يعود اندلاع فتيل أزمة أوكرانيا، التي تكاد تكمل عامها الأول، لرغبتها في إقامة علاقات اقتصادية وثيقة مع أوروبا. وعقب الثورة الديمقراطية في كييف، والحرب التي خلفت ألوف القتلى وأدت إلى هدنة مشوشة، اتضح سبب ردّ الفعل العنيف للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقد أحبطت أوكرانيا مشروع توسع »الحضارة الروسية« لملايين المتحدثين بالروسية في المناطق المجاورة لروسيا. ويرتكز مفهوم بوتين للعالم الروسي ذي الحدود غير الواضحة، على مبدأين تترسخ جذورهما في التاريخ، وأعاد تصورهما على مدى العقد الماضي بضعة مفكرين روس.

الأول يقول بتفوق روسيا روحياً على الغرب الفاسد، والثاني ينص على سيطرة الدولة، أي الكرملين، على هذه الحضارة.

قد تكون لبوتين مصالح محددة، كالحفاظ على القاعدة البحرية في القرم، والاعتماد على أوكرانيا حاجزاً في وجه أي اعتداء مستقبلي، إلا أن الروح المحركة تكمن في مشروعه للحضارة، وهو ما عكسه الانفصاليون الموالون لروسيا، الذين أعلنوا أنهم »جمهوريو العالم«، وهم يطالبون بالحفاظ على »مجال الحضارة الأوكرانية- الروسية برمتها«. لكن الشعوب في الغرب تسمع عن »حضارة« مختلفة، ففي خطاب له أمام مجلس النواب الأميركي، قال الرئيس الأوكراني بترو بوروشينكو: »الخيار سهل؛ فإما الحضارة وإما الهمجية«.

وقصد بالحضارة، الحاجة للحفاظ على سلامة الأرض، والحرية، والمعاهدات الأمنية، وحكم القانون، والمُثُل العليا الأخرى. فكيف يتعين على أميركا وأوروبا حلّ هذا »الصراع بين الحضارات« في ظاهره؟ قام كل من الرئيس الأميركي باراك أوباما والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بخطوة حذرة حيال الأمر، ففرضا عقوبات على روسيا مع الإبقاء على »طريق فرعي« يتيح لبوتين ترك أوكرانيا وشأنها.

وقد لعب بوروشينكو على وتر التسهيلات، بطرح إعطاء أوكرانيا الشرقية نوعاً من الاستقلالية. وتشكل انتخابات 26 أكتوبر في أوكرانيا، خطوة مفصلية في الرد على مفهوم بوتين ومسألة صراع الحضارات.

لكن الصراع القائم ليس صراع حضارات، بل قضية تدور حول ما إذا كان الأفراد قادرين من خلال العمل الجماعي، على تحديد خيار المجتمع. وبهذا لا تكون الحضارة أميركيةً أو أوروبية أو روسية أو حتى صينية، بل هي مشروع قائم بذاته، ومفتوح على خيارات الأفراد بحرية.