انقضى زهاء ربع قرن على حشد الولايات المتحدة وحلفائها قواتهم لتنفيذ عملية عسكرية واسعة انتهت بإخراج جيش صدام حسين من الكويت. وبالكاد مضى يوم خلال تلك السنوات لم تقدم فيه أميركا وأصدقاؤها على عمل حربي الطابع تنوع بين غارات جوية، وحرب كبرى أخرى ضد صدام، واحتلال للعراق، ومشاركة دموية في الصراع العراقي الداخلي، الذي قارب الحرب الأهلية، وتدريب أعداد هائلة جديدة يضمها الجيش العراقي، وتزويده المستمر بالأسلحة لتأمين الدعم. إلى أين قاد كل ذلك؟ إلى هزيمة يونيو الماضي، حين أطاحت عناصر من تنظيم «داعش» بالمقاومة الهشة، واستولت على مدينة الموصل، معلنة بداية حقبة جديدة تزيل الأجانب وأتباعهم من المنطقة.
وتسجل بعض ردود الأفعال على أزمة الشرق الأوسط الجديدة على جهتي الأطلسي نفحةً من السخرية الواضحة واستعداداً لاستغلال الموقف لحصد منافع فئوية أو حزبية. فبعض خصوم الرئيس الأميركي باراك أوباما من الجمهوريين يودون جعله يبدو ضعيفاً بالادعاء أن الردّ الذي قام به على «داعش» لم يكن كافياً، في حين يريد بعض من داعمي رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون خلق دراما من خلال استدعاء البرلمان. قد يأتي وقت نضطر فيه لأن نكون على أهبة الاستعداد لحرب، وذلك حين يُطرح تدعيم المساعدات الإنسانية ومؤن السلاح بضربات جوية ممنهجة تستهدف «داعش» بدلاً من تلك التي تحمي اللاجئين.
وفي حال اتخذنا تلك الخطوة، علينا أن نسأل ما الذي نفعله إذا فشلت. أنلجأ إلى مزيد من القصف؟ أو قوات المشاة الإضافية مجدداً؟ أو نصلح ذات البين مع بشار الأسد؟ أو نطلب من الأتراك التدخل؟ إذا أسعفنا الحظ فسنتجنب الوقوف أمام تلك القرارات.
فقد يتبين أن «داعش» مجرد فقاعة ستختفي كما ظهرت، وأن الحكومة الجديدة في بغداد قد تتغير بالرغم من سنوات الفساد، وأن الأكراد سيثبتون أنفسهم ليس في الدفاع عن أرضهم وحسب، بل في القضاء على «داعش» في مناطق أخرى كذلك.
وقد ينقلب سنة الشمال على حلفائهم في «داعش» على الرغم من مخاطر إغضاب بعض القادة. كما قد تقرر السلطات المتخاصمة حتى الآن، فجأة التعاون فيما بينها لاحتواء الأزمة. لنأمل حينها أن يحالفنا الحظ فعلاً.