تفرض غزة نفسها باعتبارها أرض »المقاومة«، وهي كلمة تظل محمّلةً بسيل من العواطف التي تبقي كل مَن يوصف بها خارج إطار الحوار. »لا نجري محادثات مع المقاومين«، شعارٌ سياسي يدفع إلى الميل للاعتقاد بأننا نعلم لمَ لا تجري تلك المحادثات، لكن الأمور تتغير وتتبدل، وتبرز في هذا الصدد الدكتورة أنات كورتز في مكتبها في مؤسسة دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، حيث تشغل منصب مدير الأبحاث وأحد خبراء حركة حماس والمقاومة الفلسطينية.
يتخذ المكان طابعاً سياسياً رسمياً، بعد أن عرّجت وزيرة العدل تسيبي ليفني أخيراً. مضت الدكتور كورتز تتأمل في الصراع الدائر بين إسرائيل وغزة، ثم تفوهت بكلام أثار الدهشة، حيث قالت: »إسرائيل لا تريد القضاء على حماس، لقد حدث تغيير في الموقف الإسرائيلي، فالحديث عن المحادثات هنا، فمنذ بضع سنوات كان الهدف المعلن لإسرائيل يقضي بإزالة حماس من الوجود، لكن إسرائيل اليوم تريد أن تترك حماس قادرة بما يكفي، لأنها القوة الأكثر تنظيماً في قطاع غزة«.
هذا ما قالته كورتز، ولا شكّ أنها تحمل الكثير من المرارة تجاه المنظمة، وهي تتحدث عن مئات الشبان الذين قضوا أثناء حفر الأنفاق.
ومهما كان الموقف في حركة حماس، فهي من الناحية العقائدية أقل دموية من تنظيم »داعش«، فحماس لا تلجأ إلى تعذيب أحد في غزة على سبيل المثال. صحيح أن اتفاقية حماس التي تم التوقيع عليها عام 1988، تدعو بوضوح إلى تدمير إسرائيل، إلا أن قائد حركة حماس خالد مشعل، صرح بأن الاتفاقية »جزء من التاريخ لم يعد ذا معنى«. وقد ذهب موسى أبو مرزوق إلى أبعد من ذلك، بوصف الاتفاقية بـ»البائدة«. قد يكون كل ذلك صادقاً أو لا، لكن لا يمكن أن نتخيل أن تقدم »داعش« تصريحاً مماثلاً أو تشارك في أي نوع من العمليات الديمقراطية، حيث لا نغفل أن حماس قد فازت في انتخابات قطاع غزة عام 2006.
وأياً كان الاعتقاد حيال الحرب في غزة، فإنه لا وجود لأي حلٍّ عسكري لكلا الطرفين، فالحل لا يمكن الوصول إليه إلا عبر المحادثات التي تهدف فعلياً إلى إيجاد تسوية سياسية، والحرب الدائرة اليوم ليست سوى نتاج سنوات من الفرص الضائعة. إن كان لا بدّ من التوصل إلى أي نوع من السلام، فيتوجب لزوماً على الطرفين التفكير بطريقة مختلفة.