أمران على الأقل يظهران بوضوح في هذه المرحلة، حيال العراق. أولهما تهديد وجوده ذاته، على يد جيش وحشي من المتشددين المجاهرين بهدفهم في إيجاد نظام خلافة في الدول العربية. والثاني أنه إذا كانت هناك فرصة لبناء العراق كدولة تتمتع بالاستقرار والديمقراطية، فإنها تحتاج إلى رئيس وزراء جديد، وهو أمر على طريق التحقق، مع تعيين حيدر العبادي في منصب رئيس الوزراء.
وأي سياسي في هذه المرحلة، كان يمكن أن يكون أكثر قبولاً من رئيس الوزراء نوري المالكي الموجود في هذا المنصب منذ 2006، والذي بدلاً من محاولة لمّ شعث الفرقاء الأساسيين الثلاثة في البلاد، من شيعة وسنّة وأكراد، اتخذ حكمه طابع زعيم الحرب الذي يحكم بنظام العصابات والفساد.
مباشرة بعد تكليف العبادي، تكلّم المالكي عما أسماه »انتهاك الدستور«، ويبدو الآن أنه اعتمد لهجة أكثر ليونةً. ولا شكّ أن تبدّل اللهجة لا يعكس تخلي الرئيس الأميركي باراك أوباما عنه وحسب، لا سيما بعد أن وصف عملية التكليف بـ»الخطوة الواعدة«، وإنما أيضاً منح إيران مباركتها للعبادي.
وتوافق أميركا وإيران، البلدين الخصمين المتفقين على محاربة تطرف »داعش«، يكرّس عزلة المالكي. ويبقى السؤال الأبرز، هل سينجح العبادي في المهمة الموكلة إليه؟ إنه من الشيعة، وينتمي إلى حزب المالكي عينه، ويتميز عنه بنَسبه السياسي، حيث ينتمي العبادي إلى عائلة سياسية معروفة بعدائها للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الذي قتل اثنين من إخوته، ويحمل شهادة دكتوراه في الهندسة الكهربائية من بريطانيا. ويبدو أن الأهم من ذلك، أنه يحظى بدعم من المكونين السني والكردي في البلاد، وقد سبق أن حذّر جهاراً من أخطار غرق العراق في الصراع الطائفي.
وتنتظر العبادي مهمة شاقة، رغم وجود أرضية مشجعة. كما أن الوقت ليس في صالحه، على اعتبار أن تشكيل حكومة جديدة تمثل أمام البرلمان في غضون شهر واحد، ليس بالعمل السهل في بلد مثل العراق.
لنأمل أن تكون الفصائل المتصارعة على استعداد للتسوية، في ضوء حتمية أزمة محلية يتطلب إيجاد حلّ لها على الأمد الطويل، وجود حكومة حقيقية جامعة، ولا بدّ أن يحتاج العبادي في عملية التأليف، لكياسته الدبلوماسية ومهاراته التفاوضية المشهود له بها.