كم من المدنيين يجب أن يلاقوا حتفهم في غزة قبل أن تُقدم الحكومة البريطانية المترددة على اتخاذ موقف؟ في حين لا يسعنا إلا أن نعلّق الآمال على أن تحرز محادثات السلام الأخيرة المتقطعة في القاهرة تقدُّماً، يبقى واقع العنف في غزة وشمال إسرائيل متسماً بفظاعة مطبقة، ويملأ صدور غالبية المتأملين باليأس الذي يقارب حافة القنوط، وما الذي يمكن فعله بحق السماء لوضع حدٍّ لما يحصل.
إذ لا يسعنا الادّعاء بامتلاك جميع الإجابات، لكننا نستطيع في هذا الصدد التأكيد على أمر وحيد، وهو ما يلي: يدعي أفراد المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، القلقين على المستقبل أنهم يستميتون لإعلان الدول النافذة كبريطانيا موقفاً مبدئياً ضد المذبحة الحاصلة في غزة.
ويقيناً فإن ذلك لا يعتبر بالضرورة موقف الأغلبية في إسرائيل إلا أنه يشكل جزءاً هاماً غالباً ما يتم تجاهله من الرأي العام الإسرائيلي وأحد المواقف التي تتخذها شريحة واسعة من منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية.
فما الصورة الذي يتخذها الموقف المبدئي على نحو أكبر؟ إنه يتجلى مثلاً بإدانة «داونينج ستريت» الصريحة والمطلقة لجرائم الحرب، بغض النظر عن الجهة التي ترتكبها.
كما يعني الوقف الفوري للعمل بكافة تراخيص تصدير الأسلحة والمعدات إلى إسرائيل (إضافة إلى تصعيد وطأة الضغوطات على الدول المعروفة بتزويدها كلاً من حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى بالصواريخ).
كما قد يعني تأييد المملكة المتحدة لمبدأ التعاطي الفعلي مع تصحيح بعض الأخطاء المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، تحديداً من خلال آلية تحقيق العدالة عبر المحكمة الجنائية الدولية، وهي خطوة تناصرها بريطانيا في قضايا أخرى في سوريا مثلاً، وتناهضها بشدة حين يتعلق الأمر بأي من غزة، وإسرائيل أو الضفة الغربية.
تتخذ مسألة تصدير السلاح إلى إسرائيل طابعاً ملتبساً. فقد كان ما تردده الحكومة البريطانية لأسابيع تذكر أنها تقوم بـ«مراجعة» تراخيص التصدير لديها (إزاء المقولة المقابلة التي غالباً ما تثبت الأحداث عدم صحتها وتقول بأن «بريطانيا تمتلك أحد أكثر أنظمة العالم تشدداً في ضبط السلاح»).
سيكون، أثناء حصول عملية «المراجعة » تلك، ما يزيد على ألف وتسعمئة فلسطيني قد أصبحوا في عداد الموتى جراء إبادتهم بآلة القتل المحترفة لدولة إسرائيل.