في ضوء انشغال الغرب بالفوضى التي تعم مناطق عديدة في الشرق الأوسط، لم يكن مفاجئاً ألا تحظى أول انتخابات رئاسية مباشرة في تركيا بالاهتمام الذي تستحقه، والذي كان يمكن أن تتمتع به في أوقات يسودها السلام بشكل أكبر. وهذا مؤسف حقاً، لأن هناك تغيرات كبيرة في تركيا، التي تعد بمثابة حلقة وصل محورية بين الشرق والغرب، وهي تغيرات قد تكون دائمة ومثيرة للقلق في آن معاً.
وبعد فوز رجب أردوغان في الجولة الأولى من الانتخابات، فإن هذا السياسي القوي الذي تولى منصب رئيس الوزراء منذ 2002، سيمضي بالتأكيد إلى سنوات عديدة أخرى في السلطة، الأمر الذي يمنحه الوقت لإكمال بناء ما أطلق عليه »تركيا الجديدة«.
وشأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن رجل تركيا القوي متخصص في الخطاب من خلال مقولات »نحن وهم«، فهو يصر على أن هناك تحالفاً من اليهود ومؤيدي رجل الدين فتح الله غولن، يتآمر للقضاء عليه.
ولا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن أردوغان قد استخدم هذه المزاعم عن المؤامرات التي تحاك ضده، لإحداث تغييرات كبيرة في تركيا وإبعاد خصومه عن العديد من المؤسسات الرسمية التركية، بدءاً من الجيش والشرطة.
وعندما بدأ أردوغان في محاكمة قادة الجيش بتهمة التآمر ضده، مالت الحكومات الغربية إلى التهليل له، حيث كانت تنظر إلى القوات التركية على أنها تميل أكثر مما ينبغي إلى الانغماس في السياسة، وإلى مراكمة الامتيازات الخاصة.
ولكن عمليات التطهير هذه استمرت بحيث إن المقاومة الجدية الوحيدة لنزعات أردوغان، أصبحت تتأتى الآن من القضاة الذين تصدوا بشجاعة في أبريل الماضي لمحاولة أردوغان حظر استخدام الشبكات الاجتماعية في تركيا.
هنا تحديداً يتعين على أصدقاء تركيا في الخارج أن يشعروا بالقلق، لأن أردوغان عندما يتولى الرئاسة التركية، سيكون قادراً على تعيين القضاة واستنفاد قدرة المحكمة التركية العليا على معارضته، والأمر يزداد سوءاً، لأن أردوغان يعتزم تحويل الرئاسة التركية التي ظلت حتى الآن شرفية، إلى القلب النابض للحكومة، مع تمسكه بسلطة تعيين الوزراء وحل البرلمان.
وإذا أفلح أردوغان في تحقيق ذلك، فإنه سيرجع إلى الإنجازات الاقتصادية التي حققتها تركيا، وإلى استعادة أنقرة للهوية السنية التركية. ولا أحد ينكر الازدهار الاقتصادي التركي، ولا شعور تركيا بهويتها، ولكن من سوء الطالع، أن هذه المكاسب قد تحققت على حساب الأمل في أن تتطور تركيا في مسارات مختلفة.