كشفت تطورات الأزمة في أوكرانيا عن اعوجاج كبير في السياسة الغربية، سيكون ضرره أكبر على الغرب نفسه الذي اعتاد طرح مفاهيمه السياسية التقليدية التي عفا عليها الزمن، دون دراسة أو تفكير، على كافة الأزمات الخارجية، ودون رؤية واضحة للتطورات والمتغيرات على الساحة الدولية، اعتقاداً من الغربيين بأن كلمتهم دائماً هي العليا التي يجب على الآخرين طاعتها دون نقاش، لكن الأزمة الأوكرانية أثبتت، وبشهادة خبراء ومفكري الغرب أنفسهم، أن سياسات الغرب القديمة لم تعد تصلح للتطبيق. فالغرب الذي يدعي أنه خبير السياسة التاريخي، وأن الآخرين لا يفهمون مثله، لم يفهم أن أوكرانيا ليست مجرد بلد جار لروسيا، فقد كانت جزءاً منها على مدى قرون، ومعركة بولتافا عام 1709 التي تُعد من رموز التاريخ الروسي، خيضت على الأرض الأوكرانية.
لقد تصورت الولايات المتحدة أن على روسيا الخضوع لقواعدها، وعلينا أن نعترف أن عدم فهم الشخصية الروسية والتاريخ الروسي، كان دائماً يشكل نقطة ضعف لدى صانعي السياسة الأميركيين. على الغرب أن يحترس كثيراً من خسارة روسيا، وعلى الأميركيين وحلفائهم ألا يفرضوا على أوكرانيا شيئا، وأن يتركوها تختار بحرية علاقاتها السياسية والاقتصادية الخارجية.
وألا يفكروا إطلاقا في ضمها لحلف شمال الأطلسي ولا يدفعوها لمعاداة روسيا. أوكرانيا بسبب تاريخها وموقعها الجغرافي وعلاقاتها الاقتصادية، لا يمكن أن تزدهر من دون علاقات صداقة مع روسيا. الحكومة الأوكرانية الحالية بتصميمها على استمرار القتال في شرق أوكرانيا، تبدو وكأنها تذهب بأقدامها إلى الجحيم، لأنها تعلم جيدا أن هذه الحرب لو استمرت فسيكون الصدام القادم مع روسيا، التي لن تترك مواطنيها في أوكرانيا يموتون أمام أعينها وهي صامتة.
ومن الخطأ الكبير أن تتصور الحكومة الأوكرانية أن الغرب أو حلف الناتو الذي يدعمها الآن، سيقف معها ضد روسيا، بل من الخطأ أيضا أن تتصور الحكومة الأوكرانية أن الشعب الأوكراني سيؤيدها في الحرب مع روسيا. لقد أعطت موسكو للرئيس الأوكراني بوروشينكو وحكومته فرصة تاريخية، بأن وافقت على الحوار معهم وجلست معهم إلى طاولة واحدة، وعلى بوروشينكو ونظامه ألا يتصوروا أن هذا مجرد ضعف من جانب روسيا، لأن روسيا تسعى وتخطط لكسب الشرعية في أي تصرف تقوم به، وبالتالي إذا جاء ردها قوياً وحاسماً على تمادي الحكومة الأوكرانية في القتال فلن يلومها أحد، لأنها منذ البداية أيدت الحوار والسلام ونادت مراراً بوقف القتال.