كانت هناك حكومة في العراق منذ 6 آلاف سنة قبل الميلاد، والدرجة التي ذهبت إليها الحرب الأميركية هناك في التدمير يمكن قياسها بالمستوى المتصاعد للعنف الذي يسود الآن بعد 30 شهراً من قيام الولايات المتحدة بسحب قواتها في نهاية 2011. وحرب العراق، المعروفة أيضا باسم «حرب إعادة انتخاب الرئيس جورج بوش»، لم تترك ذلك البلد الذي يبلغ عدد سكانه 33 مليون نسمة مصابا بأضرار بالغة فحسب، وإنما الأسوأ من ذلك أنها تركته في بنية حكومية لم تكلل بالنجاح من حيث التكوين الطائفي للعراق. ويبدو جليا أن السبب في أن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش وكبار مساعديه أرادوا شن حرب في العراق وأنهم لم يروا من دون ذلك سبيلا لإعادة انتخاب بوش في 2004 في ضوء الضرر الجسيم الذي ألحقه بالاقتصاد الأميركي من جراء التخفيضات الضريبية للأثرياء الأميركيين. الآن يظهر العراق كل المؤشرات الدالة على الانهيار الداخلي مصحوبة بالعنف المتطرف. والاضطراب يتفاقم من خلال غياب أي مهارة في القيادة لدى الأغلبية الشيعية التي تشكل 60% تقريبا من سكان العراق. الشيعة الذين يقودهم رئيس الوزراء نوري المالكي لا يبدو فحسب أنهم غير مستعدين للتعامل مع السنة والأكراد بما يؤدي إلى تشكيل حكومة موحدة في البلاد، وإنما يبدو كذلك أنهم غير راغبين حتى في تشكيل فريق شيعي متماسك يقود حكومة في مواجهة التحديات. وهذا الوضع يترك فريق المالكي في مواجهة كوابيس عسكرية سبق لقوات الاحتلال الأميركية أن واجهتها في مدن مثل الرمادي والفلوجة والموصل وتكريت. فالميليشيات السنية ذات التسليح الجيد تبدو على استعداد للقتال حتى الموت لتجنب حكمها من قبل الشيعة. وقد عملت الولايات المتحدة على تدريب وتسليح قوات عراقية للتعامل مع مثل هؤلاء الأعداء، ولكن السنة شكلوا تحديات بالغة للقوات الأميركية، بحيث إن واشنطن وجدت نفسها مضطرة لاستقطاب 80 ألفا منهم في إطار ما عرف ب«الصحوة السنية». وحكومة المالكي لا تملك الإمكانات التي من شأنها أن تجعل هذا النهج يكلل بالنجاح، كما يبدو السنة بوضوح أنهم يرغبون في العودة إلى حكم البلاد. وقد لعبت القوى الاستعمارية دورا في تحديد هوية من يتمتع بالسيطرة في العديد من الدول . والمرء لا يتعين أن يتبنى موقفا مقضيا من هذا الوضع، ولكن ينبغي أن نتابع ما سيسفر عنه الوضع الراهن في العراق.
صحيفة "هيرالد تريبيون" الأميركية