عندما يتوجه الرؤساء الأميركيون لإلقاء خطبهم أمام الأكاديمية العسكرية الأميركية في «ويست بوينت»، فإن ذلك يكون عادةً لإطلاق حملة عسكرية جديدة. فقبل 12 عاماً استغل الرئيس الأميركي السابق جورج بوش المناسبة لإضفاء انتشارٍ عالمي على «الحرب على الإرهاب»، التي أرسلت بعد 9 شهور أميركا وحلفاءها للعراق. وأعلن الرئيس أوباما، عندما قدِمَ آخر مرة لحرم الأكاديمية في شمال نيويورك عام 2009، عن «زيادة عدد القوات» في أفغانستان.
الخلفية هذه المرة مختلفة، فأميركا في تراجع، إذ انسحبت من العراق، وهي تغادر أفغانستان بصورة سريعة، واتبعت سياسة «القيادة من الخلف» في ليبيا، واختارت التخلي عن التدخل المباشر في سوريا، أو تقديم أي مساعدات عسكرية لأوكرانيا. ادعى الرئيس أوباما في «ويست بوينت»، أن بلاده تخرج من «موسم حرب طويل». ويتماشى هذا الاتجاه مع الرأي العام الأميركي، الذي هو في أكثر حالاته انعزالية منذ 50 عاماً.
غير أن الرأي العام بوصلة متقلبة للسياسة الخارجية، وتخليص البلاد من المستنقعات الخارجية لم يجعل الرئيس الأميركي أكثر شعبية، وهو واقع حالياً تحت هجوم لفشله في توفير القيادة العالمية. والفشل الأكبر حتى الآن بالنسبة لسياسة أوباما الخارجية، يكمن في سوريا. فقد أخفقت لمسته الخفيفة في وقف إراقة الدماء، إذ لقي أكثر من 160 ألف شخص مصرعهم، في الغالب على أيدي نظام الرئيس السوري بشار الأسد، في حين كسبت الجماعات المتشددة المتطرفة الأرض، على حساب الجماعات المعتدلة الأقل تسليحاً.
وتعد التدخلات الإنسانية لمنع الفظائع الجماعية، من بين مناشدات السياسة الخارجية الأكثر قوة، إذ يعني التدخل أن تكون مسؤولاً عن كل ما يحدث بعد ذلك. ويمكن لهذا أن يقدم صورةً بشعة، كالذي تظهره ليبيا.
لكن ليس بمقدور أولئك الذين يقفون على الهامش تجنب المساءلة أيضاً، حيث لا يزال العديد من السياسيين الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين السابقين، مطاردين بسبب امتناعهم عن التصرف في البوسنة ورواندا خلال تسعينيات القرن الماضي. وأقر الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، بأن التدخل الأميركي في رواندا كان يمكن أن ينقذ حياة 300 ألف شخص. وهذا كثيرٌ ليتحمله ضمير المرء. وخلال كلمته في «ويست بوينت» أخيراً، أظهر الرئيس أوباما أن القتلى السوريين قد شرعوا بمطاردته.. والمشكلة هي كيفية إبعاد الأشباح.