لطالما تركزت أطماع الولايات المتحدة وروسيا في منطقة البحر الأسود وأوكرانيا، التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي. وعملت الولايات المتحدة قرابة عقدين من الزمن، أقصى ما في وسعها لفرض سيطرة استراتيجية على أوكرانيا. والأحداث الأخيرة في البلاد، والتي حاولت أميركا ترويجها على أنها موجة ثورية....

فضلاً عن تقديمها مساعدات كبيرة للمعارضة الموالية للغرب، أدت جميعها وبشكل مباشر إلى إحداث الأزمة الحالية في تلك الدولة الواقعة شرقي أوروبا، والتي أطاحت برئيسها المنتخب عبر ما وصفته روسيا بالانقلاب. وبحسب ما أوضح الباحث الاستراتيجي ومستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغنيو بريجنسكي، في كتابه "لوحة الشطرنج الكبرى"، في الجزء المتعلق بالريادة الأميركية والضروريات الاستراتيجية..

فإن أوكرانيا جزء مهم مما وصفه برقعة الشطرنج الأوراسية، التي تهتم بها الولايات المتحدة، التي تعتقد أنه لو كانت أوكرانيا دولة مستقلة فإن ذلك سيساعد في تقليص فضاء روسيا الجيوستراتيجي واحتواء نهوضها. وتنظر روسيا في الوقت الراهن إلى أوكرانيا وإلى أعضاء آخرين سابقين في الاتحاد السوفييتي، كوسائل لاستعادة تأثيرها كقوة عظمى. وإذا استطاعت موسكو استعادة سيطرتها على أوكرانيا، فإنها ستستعيد تأثيرها في النطاق الأوروبي الآسيوي.

وتعتبر موسكو مصالحها في البحر الأسود مصالح وطنية، وبالتالي فأي انتهاك لهذه المصالح ليس مقبولاً في نظرها، وخاصة في شبه جزيرة القرم، التي تعتبر من الأهمية الجيوستراتيجية لروسيا بحيث أصبحت موطن أسطولها في البحر الأسود.

وهذا يفسر لماذا دخلت القوات الروسية والطائرات العسكرية منطقة القرم، ويوضح لماذا طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من المجلس الفدرالي الروسي في الأول من مارس، تفويض استخدام القوات العسكرية في أوكرانيا، ولماذا وافق المجلس في اليوم نفسه على اتخاذ تدابير شاملة لحماية أمن المواطنين والمقاتلين الروس، الموجودين لدى جارتها التي تشهد حالة من عدم الاستقرار. وفي جمهورية القرم ذاتية الحكم، شكل السكان الناطقون بالروسية 70% من السكان، وهؤلاء يريدون تعزيز الروابط مع روسيا، بل ويأملون أن يكونوا جزءاً من الاتحاد الروسي.