فيما يخبو الربيع العربي، تزدهر تونس مجدداً بدستور حافل بالحقوق، وبنقل سليم للسلطة من جانب حكومة إسلامية. والإجماع المدهش في البلاد، يجلب الأمل بأن الناس جميعاً يستحقون التقدم نحو مثل عليا مدنية.

والربيع العربي الذي انطلق قبل ثلاث سنوات، انهار على وجه التقريب في كل الأماكن التي بدأ فيها، موجهاً ضربة موجعة إلى الفكرة التي اعتبرت منذ وقت طويل شاملة، وهي فكرة التقدم.

والحرب الأهلية في سوريا، والتطورات الراهنة في مصر، والفوضى في ليبيا، والاقتتال في اليمن، كل ذلك أعاد التأكيد مجدداً على النموذج التقليدي المتعلق بثقافة عربية راكدة، يتعذر عليها الانطلاق نحو المثل العليا المدنية.

وفي تونس، التي اندلعت فيها الشرارة الديمقراطية الأولى بالنسبة للعرب الذين استبد بهم الشعور بالضيق، فإن الثورة تم إنقاذها عبر ثورة أخرى في الأيام القليلة الماضية، بعد عام من التوترات المتصاعدة وعمليتي اغتيال سياسيتين، حيث قام حزب النهضة الحاكم بالتخلي عن السلطة بطريقة سلمية، إزاء انشقاق واسع النطاق، وتم إقرار دستور حافل بالحقوق بما يقارب الإجماع من هيئة منتخبة.

والقادة التونسيون الذين قرروا وضع السلم السياسي قبل ألعاب السلطة، التي تقضي بأن الفائز يحصد كل شيء، أطلقوا صيحة تهليل عالية في الجمعية الدستورية، وحياهم بهتاف أعلى قادة عالميون تمسكوا بفكرة التقدم باعتبارها حتمية.

وقد أشاد بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، بإنجازات تونس باعتبارها "معلماً تاريخياً" و"نموذجاً للشعوب الأخرى التي تسعى وراء الإصلاحات". ورأت كاترين أشتون مفوضة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي "تقدماً مهماً".

والدستور التونسي الجديد الذي صيغ في إطار حل وسط، بدلاً من إطار احتجاجات الشوارع والصراع المسلح، يقدم نموذجاً يحتذى به لباقي العالم العربي، فهو يضمن حرية الاعتقاد للجميع، ويضمن المساواة للنساء مع الرجال.

ووضع هذه التجربة موضع التطبيق، في انتخابات في وقت لاحق من العام الجاري وفي نظام قضائي لا يزال يتعين إقامته، يمكن أن يكون أمراً صعباً بالنسبة لتونس، والاقتصاد التونسي يحتاج إلى دفعة قوية وإلى دعم من الخارج، لتقليل البطالة التي يصل معدلها الآن إلى 17%.

ولكن في الوقت الحالي، فإن إعادة البدء هذه للربيع العربي، يمكن أن تخدم لإعادة تجديد بذرة الأمل، ليس بالنسبة للديمقراطية في المنطقة فحسب، وإنما أيضاً بالنسبة لفكرة التقدم باعتبارها متاحة للجميع.