وصلت الأزمة السياسية في أوكرانيا نقطة تحول حاسمة، بحيث يتعين على كل جانب الأخذ بعين الاعتبار ما يمكن خسارته من جراء مزيد من الصراعات. وأخيراً، عرض الرئيس الأوكراني فكتور يانكوفتش، بشكل غير متوقع، تنازلات جادة لمعارضيه الذين تجمعوا في ساحة الاستقلال في كييف، وشمل ذلك عرض اثنين من المناصب الحكومية البارزة على زعيمين في المعارضة.
وقد استقال أخيراً، رئيس وزرائه وحليفه السياسي المقرب، ميكولا أزاروف، بينما صوت البرلمان بإلغاء أغلب القوانين التي صدرت في وقت مبكر من الأزمة، والتي تحد من حرية الرأي والتجمهر. وبعدها خرج الرئيس الأوكراني في إجازة مرضية، لكن من دون التوقيع على قانون الإلغاء، ليترك كلاً من هذا الإجراء والتوصل إلى حل تفاوضي قياسي أوسع نطاقاً، مع المعارضة دونما حسم.
كان يجب على يانكوفتش إدراك أن قبضته على السلطة تتراخى سريعاً، وأن بقاءه السياسي يعتمد على التوصل لاتفاق ما. وربما يشكل هذا حجةً لمواصلة المعارضة التحرك، حتى تتم الإطاحة بإدارته الفاسدة. غير أن الخطر يكمن في ذلك المسار، وذلك لسبب واحد، وهو أن الاقتصاد الأوكراني يتعزز
. فقد وفرت المساعدات الروسية شريان حياةٍ ماليٍاً ضئيلاً، ما ساهم في إقناع الرئيس الأوكراني برفض إجراء اتفاق مع الاتحاد الأوروبي خلال شهر نوفمبر الماضي، وبالتالي التسبب في الاحتجاجات. وعلى الأرجح، بشكل يبعث على الشؤم بالنسبة إلى يانكوفتش، أشارت تقارير من العاصمة كييف أخيراً، إلى أن روسيا قد ترفض تقديم الملياري دولار التاليين من حزمة مساعداتها التي تقدر بنحو 15 مليار دولار.
المشكلة الأخرى هي أن المعارضة موحدة على نحو كبير، من ناحية اشمئزازها من الفساد، واستبداد النخبة السياسية التي يقودها الرئيس الأوكراني، وتتوق بشكل غامض للتغريب والشفافية، أما بخلاف ذلك فهناك الانقسام الحاد في صفوف المحتجين. وقد ظهرت الخلافات أخيراً، عندما جرح 5 أشخاص في خلاف حول من ستكون له السيطرة على مبنى وزارة الزراعة الذي يسيطر عليه المحتجون.
وبصرف النظر عن مدى عدم كفاءة فيكتور يانكوفتش، أو فقدانه لمصداقيته، أو عدم سلامته الجسدية، فإنه الرئيس المنتخب ديمقراطياً، وسيكون أمر تنحيته عن طريق احتجاجات الشوارع، ومن دون وجود خطة متماسكة أو قيادة موحدة، وصفةً لمزيد من الاضطرابات، وسابقةً خطيرة.
إن هذا ليس وقت رفض المفاوضات، فعلى الرغم من رفض المعارضة، محقة، عرض الرئيس الأوكراني لمنصبين حكوميين، فإنه يتعين عليها أخذ تنازلاته على محمل الجد، والانضمام إليه في السعي للتوصل إلى تسوية مناسبة.
ويمكن للغرب المساعدة من خلال النظر بجدية في المساعدات الطارئة، واقتراح التوسط بشكل فعال. يجب ألا تنتهي الثورة الشعبية التي بدأت بالأمل في الغرب، بخيبة أمل منه.
صحيفة نيويورك تايمز الأميركية