يسعى رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان، الذي تخلص من منتقديه في جهاز الشرطة، إلى التفاهم مع النظام القضائي ووسائل الإعلام، ويتبع في ذلك أساليب تتسم بالدهاء، لدرجة أنه يبدي بعض الود تجاه خصومه التاريخيين من العسكر "الكماليين"، نسبة إلى الزعيم كمال أتاتورك مؤسس دولة تركيا العلمانية الحديثة.

أدى عرض مشروع قانون إصلاحات النظام القضائي على البرلمان التركي، إلى ردود فعل متباينة، حتى إن اشتباكات بالأيدي وقعت بين مؤيديه ومعارضيه في البرلمان. ويكمن جوهر مشروع القانون الذي عرضه حزب العدالة والتنمية الحاكم، في تشديد رقابة وزارة العدل على تعيين القضاة والادعاء العام، في حين يقوم بهذه المهمة حالياً مجلس القضاة والمدعين العامين. ويعني هذا القانون في نظر معارضيه، تدخلاً واضحاً وسافراً من السلطة التنفيذية في اختصاصات السلطة القضائية.

الحقوقيون غير راضين عن مبادرة أردوغان، لأنهم يرون أن هدفها غض النظر عن فضيحة الفساد في تركيا وإشغال الرأي العام والإعلام بقضايا أخرى، إضافة إلى أن هذا القانون يتعارض ودستور البلاد الذي يؤكد استقلال القضاء، كما يطلب الاتحاد الأوروبي الذي تسعى تركيا للانضمام إليه. وبعد مناقشات طويلة وساخنة أعلن وزير العدل بكر بوزداغ، أن الأحزاب السياسية قررت رفض الإصلاحات.

ولكن أردوغان لا يتفق مع هذا القرار، ولذلك يستمر في الضغط من أجل تلك الإصلاحات ولا يعتبر أنها تعارض الدستور، وهو لا يخفي سعيه لفرض سيطرته على النظام القضائي، كما فعل مع جهاز الشرطة، لأنهما انتقصا من شخصيته، بعد فضيحة "الرشوة الكبرى" والاعتقالات التي تبعتها، مما اضطره إلى إقالة عدد من الوزراء وتعيين وزراء جدد.

كما أن مشروع القانون المطروح في حالة إقراره، سيعطي الحكومة التركية سلطة حجب كافة المواقع الإلكترونية غير المرغوب فيها، خلال 48 ساعة. علاوة على ذلك، يحق للحكومة بموجب هذا القانون، التحكم في المواقع الإلكترونية الشخصية لمدة سنتين. الجيش التركي لا يرغب التدخل في هذه المسألة، وهذا شيء طبيعي بعد أن تخلص أردوغان من القيادات القديمة وكبار الضباط "الكماليين"، في عامي 2012 و2013. ولكن يبدو أن أردوغان يبحث عن حلفاء جدد، لذلك تذكر "الكماليين" المعتقلين، حيث أعلن أنه لا يعارض إعادة النظر في قضاياهم.

ويقول المحللون إن هذا التطور جديد في العملية السياسية في تركيا، لأن العسكر لن يمكنهم لوحدهم إعادة مواقعهم إلى سابق عهدها، ولكن إذا ما أعيد الاعتبار للضباط المعتقلين، فسيكون هذا إشارة إلى أن "الكماليين" هم المنتصر في الصراع بين أردوغان وخصمه السياسي فتح الله غولن، الذي كان رفيقه في حزب العدالة والتنمية حتى وقت قريب.