كانت المرة الأخيرة، التي تركزت أنظار العالم فيها على جنوب السودان، وقتاً للاحتفال، ففي يوليو 2011، تم الاحتفال بقيام دولة جنوب السودان، بعد عقود من الحرب الأهلية، باعتباره انتصاراً للرعاية الدولية، وبدا أنه بمثابة خلاص، طال انتظاره لشعب الجنوب، الذي تحمل عبء الضغوط من حكومات عسكرية سودانية متتابعة. الآن وبعد مرور عامين ونصف العام، يعود جنوب السودان ليحتل الصدارة في نشرات الأخيار، وقد أصبح جلياً أن البلاد ليست أرضاً رعوية، يحكمها مقاتلون من أجل الحرية، حيث تبين أن لها انكساراتها الداخلية، وتوتراتها العرقية، وجروحها الغائرة المتبقية من الحروب.
ولكن العالم الخارجي لا ينبغي أن يسيء فهم جذور الاندلاع الأخير للعنف.
كانت أجهزة الإعلام الدولية على استعداد لتأطير العنف الذي اندلع بعد 15 ديسمبر الماضي، في أطر عرقية. وذهبت صحيفة "غارديان"، على سبيل المثال، إلى نشر عنوان رئيس في صفحتها الأولى مفاده "جنوب السودان: الدولة التي تداعت في أسبوع"، وعكست تغطية الصحيفة سياقاً مفاده أن الجنوب قد انتقل من كونه ضحية للشمال، إلى صراع قبلي ثنائي بين قبيلتي الدنكا، التي ينتمي إليها رئيس جنوب السودان، والنوير، التي ينتمي إليها منافسه.
وهذه ليست المرة الأولى التي يطفو فيها على السطح تفسير تبسيطي غربي للصراع في جنوب السودان، الذي هو في جوهره رؤية فجة، ظهرت في نهاية المطاف، من شأنها أن تدعم الحكومة في الشمال، وتقضي على إمكانية الوساطة الدولية في جنوب السودان. جنوب السودان يظل بلداً تسود فيه المفاهيم الغربية، ويمكن للمساعدة الغربية والنفوذ الغربي صياغة صفقات سياسية، كما يمكن لإساءة قراءة الأزمة هناك، أن تسفر عن قرارات تؤدي إلى إعطاء قطعة من الكعك لكل قبيلة على حدة، وهو ما من شأنه أن يفاقم ويدعم الانكسارات العرقية، بدلاً من المساعدة على القضاء عليها.