لا تبدو في الأفق مؤشرات إيجابية لحل الأزمة القبرصية العالقة بين تركيا واليونان، حيث اصطدمت المفاوضات الأخيرة بشأن تسوية المشكلة، بصعوبات جدية جديدة. فقد تأجل لقاء زعيمي الطائفتين اليونانية والتركية، وربما لا ينعقد، والسبب الرئيس لذلك هو الاختلاف المبدئي بين الطرفين بشأن المفاوضات.

بعد انهيار جدار برلين عام 1989 وتوحيد الألمانيتين والعاصمة برلين، تبقى العاصمة القبرصية نيقوسيا آخر عاصمة مقسمة إلى قسمين منذ اجتياح الجيش التركي لها عام 1974، وتم تقسيمها إلى جزء شمالي تابع لتركيا وآخر جنوبي تابع لليونان، يفصل بينهما ما يسمى "الخط الأخضر"، وتنتشر في الجانب الذي يسمى بجمهورية قبرص التركية في الشمال قوات عسكرية تركية قوامها نحو 35 ألف عسكري.

وقد استقبلت الجالية التركية فوز نيكوس أناستيادس في الانتخابات الرئاسية في فبراير الماضي، لأنه السياسي الوحيد الذي أيد إنشاء جمهورية قبرص الموحدة. وقد نوقشت مسألة توحيد قبرص في عهد ستة رؤساء سبقوا أناستيادس، دون أن تسفر عن نتيجة نهائية ترضي الجانبين، وكان السبب الرئيسي في تأجيلها آخر مرة هو الأزمة المالية.

وتصر نيقوسيا على مناقشة كل النقاط مجتمعة، لأنه لا يمكن الحديث عن الأمن من دون ضمانات واقعية وموثقة بين الطرفين، تضمن في الأساس إمكانية التعاون المشترك بينهما في المجال الأمني، ولا الحديث عن إعادة الملكية من دون إعادة الأراضي المستولى عليها منذ قرابة أربعين عاماً، إلى أصحابها الأصليين. أما القبارصة الأتراك فيريدون مناقشة كل نقطة على حدة، بداية بالمسألة الأمنية أولاً، نظراً لضرورتها الآنية.

وكان الطرفان قد سبق أن وافقا عام 1977 على طلب مجلس الأمن الدولي إنشاء منطقتين فيدراليتين ذاتي سيادة وجنسية موحدة، ومع ذلك يصر الجانب التركي حالياً على بقاء الجنسية الداخلية للقبارصة الأتراك، ويرد الجانب اليوناني على هذا بالسؤال: كيف يمكن الحديث عن جنسية مختلفة في دولة موحدة؟

الأزمة القبرصية قد لا تكون مزعجة بدرجة كبيرة بالنسبة لأطرافها وللمحيط الأوروبي من حولهم، لكنها تظل بؤرة للتوتر والاضطرابات، خاصة مع تطورات الأزمة المالية العالمية، التي أصابت قبرص بشدة وجعلتها مفلسة تماماً، الأمر الذي قد يفتح في المستقبل القريب الأبواب لصراع قوى كبيرة على النفوذ في شمال شرق البحر المتوسط، والذي يبدو أن روسيا تتطلع إليه وقبرص لا تمانع، بعد تخلي الأوروبيين عنها في أزمتها المالية الحادة.

ورغم هذا فإن مفتاح التسوية القبرصية يظل في يد أنقرة، التي بإمكانها أن تسحب قواتها من شمال قبرص أو تضغط على القبارصة الأتراك للموافقة على حلول وسط.