من غير المجدي التظاهر بأننا نعرف الكثير عما يجري في كوريا الشمالية، لأننا في الواقع لا نعلم شيئاً عنه. لكن بما أن قرارات تلك الدولة التي تعاني من اختلال، يمكن أن تؤدي إلى عواقب وخيمة، فإن الأحداث أحياناً تجبرنا على التخمين والتكهن.
وهذه هي الحال في ما يتعلق بإقالة جانغ سونغ - ثيك، زوج عمة الزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ أون، ومرشده والرابط الرئيسي لكوريا الشمالية مع الصين. وفي غضون بضعة أيام، تحول جانغ من كونه ركناً من أركان النظام، إلى شخصية لا اعتبار لها، متهمة ومهانة ومشطوبة من السجل الرسمي.
وأسباب سقوطه لا يمكن العثور عليها في روايات وسائل الإعلام عن جرائمه في سوء الإدارة والفساد، وفي "عيش حياة ماجنة ومنحرفة". وقد نخاطر بالقول إن عدداً غير قليل من أعضاء حزب العمال الكوري الشمالي الكبار، سيقعون في ورطة إذا ما تمت ملاحقة هذا النوع من الخطايا باستمرار. لا، جانغ تجاوز الحدود بطريقة أخرى، وتجاوزه وصل إلى حد تصوير عقابه للعالم بشكل غير مسبوق في كوريا الشمالية، حيث التحولات في ميزان القوى داخل النخبة الحاكمة تجري دائماً وراء الستار.
وهناك تفسيرات متناقضة لسقوطه، لكنها غير مقتصرة على تلك بالضرورة. وأحدها هو أن كيم يونغ أون أصبح ينظر إلى جانغ كقوة هائلة وراء العرش. والرجل كان تأييده مفيداً، عندما كان من الممكن أن تكون عملية استيلاء الشاب كيم على الحكم غير متينة. وتمضي المحاججة للقول إن ادعاءاته الآن أصبحت لا تطاق، وبات عليه وعلى شبكة العملاء التي بناها داخل الحزب والبيروقراطية، أن يغادرا.
والتفسير الآخر هو أن جانغ أصبح متماهياً أكثر مما ينبغي مع الأجندة الصينية لكوريا الشمالية، وهذه الأجندة تشمل إصلاحات اقتصادية على المثال الصيني، وشروطاً مواتية للصين في التجارة مع كوريا الشمالية، ولجماً لعملية تطوير الأسلحة النووية.
ومصالح الصين تمثل قيوداً مطلقة نهائية على كوريا الشمالية. صحيح أن بكين تخشى انهيار النظام، وتمقت إعادة توحيد البلاد بناء على شروط الغرب، وترى نزع السلاح النووي باعتباره شيئاً تجب معالجته في المستقبل البعيد، وهي في كل هذه القضايا على تناغم مع بيونغيانغ، لكنها قلقة من عدم قدرتها على السيطرة على سياسة كوريا الشمالية، وربما تعتقد أن الحل النهائي هو في أن تصبح كوريا الشمالية في حالة تبعية دائمة وأكثر انصياعا لها، بالتالي لا يوجد دفء حقيقي بين القيادتين الصينية والكورية. وربما أشار جانغ إلى حاجة البلاد للنظر في مصالح الصين، متجاوزاً حدوده.