جمهورية جنوب إفريقيا بلد يصعب حكمه، فحجمه وانقساماته العرقية وتركيبته المتضاربة من الثروة والضعف حيال القوى الاقتصادية الخارجية، وتاريخه من العنف والقتل، كل ذلك يجعل مهمة إدارته مهمة لا يحسد من يقوم بها على ما يحاول إنجازه.
لقد خاض البريطانيون حرباً ضارية لإقامة دولة هناك من شأنها أن تكون موالية للإمبراطورية، ولكنهم في النهاية فقدوا السيطرة السياسية، وإن لم يفقدوا السيطرة الاقتصادية، على جنوب إفريقيا لحساب السكان البيض (الأفريكانر)، الذين وجدوا بدورهم أن إدارة هذا البلد تتجاوز قدراتهم.
سلم الأفريكانر السلطة في جنوب إفريقيا إلى حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، لأن صيغتهم لحكم البلاد كانت تتداعى، وكان المؤتمر هو التنظيم الوحيد الذي لديه الإرادة والحافز لتولي مهمة الحكم. ولعب وعي أخلاقي متزايد دوره، وكذلك حضور نيلسون مانديلا، ولكن يأس الأفريكانر كان هو المفتاح الحقيقي لما حدث في جنوب إفريقيا.
والسؤال الصعب المطروح الآن بعد رحيل مانديلا، هو إلى أي حد تتجه حكومة المؤتمر الوطني الإفريقي نحو رؤيتها الخاصة للجمود الذي وجد سابقوها أنفسهم فيه؟ فهي حكومة منتخبة ديمقراطياً من قبل أغلبية المواطنين، وهي متعددة الأعراق، كما أنها تحرص على مصالح كل سكان جنوب إفريقيا بصورة متوازية.
غير أن صيغة المؤتمر الوطني للحكم تبدو غير مناسبة بصورة متزايدة، فهناك العملية التي توشك أن تكون ملكية، والتي يبرز بها الرئيس بعد أن يتم اختياره داخل الحزب إثر مناورات وصفقات بين الكتل القبلية والنقابية. وأعطى هذا النظام جنوب إفريقيا بعد مانديلا رئيسين أقل بروزاً، هما ثابو مبيكي وجاكوب زوما. و
الحزب ككل تعرض للانتقاد، وقيل إن هيكله قد تأثر بالحزب الشيوعي الجنوب إفريقي ويعكس مبدأ المركزية الديمقراطية. وهذا يفترض أنه يعني الحرية الكاملة في النقاش، ثم الطاعة المطلقة لإرادة الأغلبية.
ولكنه عملياً يعني اتخاذ القرارات من قبل مجموعة صغيرة عند القمة، ويتم تمريرها إلى أسفل، الأمر الذي يعطي فقط مظهر المشاركة من قبل الأعضاء. وقد أسفرت التجربة عن عجز الحزب الوطني عن إخراج شعبه من القطاعات المتخلفة، مثل الزراعة البدائية، والدخول بهم إلى المصانع التي تنتج من أجل التصدير. وهناك أيضاً موقف الحزب المتهافت إزاء الشركات الدولية، التي تهيمن على موارد البلاد الطبيعية.
وهكذا فإن عدم الكفاءة الرئاسية وتصلب الحزب والسياسة الاقتصادية غير الفعالة، كل ذلك يشير إلى أن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي بحاجة ماسة إلى بداية جديدة.