يبرهن هذا الفصل على أنه صيف طويل حافل بالمتاعب بالنسبة للديمقراطية التركية، وربما تكون الفوضى التي ضربت أطنابها في حديقة شيزي قد خفت حدتها، بعد أن أوقف القضاة على نحو مناسب أعمال البناء هناك، لكن السبب الرئيس للاحتجاج لم يتبدد تماماً، كما أن السياح الذين أزعجهم انتشار المظاهرات إلى ما يتجاوز إسطنبول كثيراً، لم يعودوا. وأزمة الصحافة التركية تتفاقم، بسبب سجن أعداد كبيرة من الصحافيين، وطرد الكثيرين منهم لإمدادهم للقراء بتفاصيل ما حدث في ميدان تقسيم، ولا تتحسن في مناخ من الخوف يمكن تحت ظله، حتى لكبار الصحافيين، أن يجدوا أنفسهم وقد طردوا من أعمالهم.

وتركيا يمكنها أن تحقق أداء أفضل من هذا، والحقيقة أنها كانت تحقق أداء أفضل بكثير، إلى أن قرر رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان الاصطدام بالمتظاهرين وجهاً لوجه. والأنكى من ذلك، أن الفضائيات التلفزيونية والصحافة، قد جردت حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه أردوغان، من مصداقيته التي يحتاج إليها للدفاع عن قضيته.

 غير أن الأمور العادية في تركيا تنقلب رأساً على عقب، فالشركات الكبرى ورجال الأعمال الذين يمتلكون الصحف ومحطات التلفزة لا يتظاهرون بأنهم يتمتعون بسلطة مستقلة، بل على النقيض من ذلك، فهم يتقلبون في مواضعهم تحت إصبع أردوغان، ويمتلكون أنشطة أعمال أخرى، ويحتاجون إلى مباركة الحكومة بخطط التطوير ومعاملات الضريبة وأذونات المبيعات، وغير ذلك كثير.. ومن هنا، فإنهم يعرفون متى يحنون رؤوسهم، ومتى يكبحون جماح صحافييهم.

وحكومة أردوغان لديها مشكلات هائلة خاصة بها، فاللاجئون السوريون، والافتقار إلى الاستقرار، وغير ذلك من المشكلات، يتدفق عبر الحدود. وهناك أيضاً الجهود المتعثرة في حل المشكلة الكردية، والاقتصاد التركي يتباطأ، والبلاد تبدو غير واثقة بصورة مزمنة، ما إذا كانت ستجد مستقلاً علمانياً أو دينياً.

وفي الكثير من الجوانب، فإن حزب العدالة والتنمية، وقائده الذي انتخب ثلاث مرات، لديهما الكثير مما يتفاخران به. فرؤية أردوغان الإسلامية غالباً ما بدت معتدلة وغير مؤججة، وهو يمثل المزيج من الأمل والنزعة البراغماتية الذي تحتاجه أوروبا والشرق الأوسط. ولكن هذه الرؤية تنحسر سريعاً مع تداعي بلاده عند خطوط الانكسار فيها، ومع اعتماد رئيس الوزراء على التفويض الانتخابي (58 % في آخر جولة)، للإصرار على أن كل شيء ينبغي القيام به بطريقته الخاصة.

إن الديمقراطية الناجحة تعتمد على ما يتجاوز بكثير صندوق الاقتراع، فهي تحتاج إلى احترام حكم القانون والتدفق الحر للمعلومات، وسجن العشرات من الصحافيين لا يدعم هذا الاحترام، ورؤية 30 صحافياً شجاعاً يطردون من أعمالهم بعد أحداث ميدان تقسيم، لا تولد إلا الشك.. وهذا ما لا تقصده أوروبا بالديمقراطية، وما لا ينبغي أن تعنيه تركيا بها أيضاً.