مع اندلاع ألسنة اللهب في سوريا، وهيمنة الجمود على مصر، وسيطرة الضعف على ليبيا، فإن من شأن فشل تونس أن يكمل المشهد الكئيب الحافل بالظلال القاتمة، على ثورة كانت في وقت من الأوقات موضع ترحيب في المنطقة وخارجها.

وقد أعقب مصرع محمد البراهمي في تونس، اندلاع الاحتجاجات وارتفاع المطالبات باستقالة الحكومة، وأحرقت المكاتب الإقليمية لحزب النهضة الحاكم، وارتفع النداء عاليا بالإضراب العام. وبعد أن ألقى خصوم الحكومة اللوم على النهضة في مصرع البراهمي، سواء مباشرة أو من خلال الإهمال في توفير المقتضيات الأمنية، تصاعدت الاتهامات لها بالمسؤولية عن الموقف الراهن.

وفي المقابل، فإن زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي، أكد أن "تونس لن تمضي قدما في السيناريو المصري". وبدا جليا أنه يسعى لتهدئة المخاوف من جانب أولئك الذين يشعرون بأن تونس تفعل هذا تحديدا، وتثبيط همة أولئك الذين يرغبون في أن يروا انتفاضة على غرار القاهرة تحدث في العاصمة التونسية.

وهناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الغنوشي محق فيما ذهب إليه، فرغم أن اغتيال البراهمي مدعاة للشعور بالعار فعلا، ومع أن الغضب الذي أثاره هو غضب حقيقي، فإن رد الفعل يحمل طابع المناورة لإحراز مزايا سياسية. ومن المؤكد أن هناك جوانب للموقف في تونس، تعيد إلى الذاكرة الانزلاق الحادث في مصر. فالحكومة التونسية، شأن إدارة الإخوان المسلمين في مصر، مدت الجسور إلى رجال الأعمال الذين كانوا قد تحالفوا مع النظام القديم.

وكما حدث في القاهرة، فإن الحكومة التونسية فشلت في إصلاح الشرطة أو الجهاز العدلي. ومجددا كما هي الحال في القاهرة، بدا أنها تتراخى في مطاردة المتشددين على جانبها من الساحة السياسية، كما أسندت الوظائف بأعداد كبيرة لأنصاره، ولم تفلح في إدارة الاقتصاد بالحد الأدنى المطلوب من الكفاءة.

ولكن الحكومة التونسية مضت، حتى وإن كان ذلك بشكل غير حاسم، إلى دستور متوافق عليه بشكل أصيل، وهي في ائتلاف مع أحزاب أخرى، وقد أدخلت تعديلاً وزاريا بعد تعرضها للانتقادات.

وتونس في المقام الأول ليس لها جيش قوي، وإذا كانت الحياة السياسية المصرية هي عبارة عن مثلث يعد الجيش أحد أضلاعه، بالإضافة إلى الإخوان المسلمين والليبراليين العلمانيين، فإن الحياة السياسية التونسية أقرب إلى احتكار سياسي، مزدوج يضم حزب النهضة والاتحاد العام التونسي للشغل، مع وجود الليبراليين على الجانب. وسيكون من مصادر العون في مواجهة الموقف السياسي الراهن في تونس، أن يتم إلقاء القبض بسرعة على قتلى البراهمي وتحديد هوية من حرضوهم ومطاردتهم، وهذا يتعين أن يكون أول شيء يتم القيام به في تونس، واليوم قبل الغد.