أظهرت المظاهرات الحاشدة في مصر أخيراً، مجتمعاً لا يزال منقسماً، بشكل حاد، حول مستقبل ديمقراطيته الفتية، وهو مجتمع في حاجة ماسة لدرس من داعية الديمقراطية الأكثر شهرة في القارة الإفريقية.
فمن مساهمات نيلسون مانديلا الكثيرة، كانت طيبة روحه تجاه الخصوم هي التي ساعدت في تحقيق الحرية والمصالحة في جنوب إفريقيا المنقسمة.
تبنى مانديلا معتقِلِـيه، وافترض أن البيض كانوا على استعداد لمعاملة السود كأنداد لهم.
لقد أحل محل الكراهية العرقية لطفاً غير عرقي، وهكذا فاز بحرية بلده من الظلم.
حبذا لو يستطيع قادة مصر السياسيون، حاليا، فهم أصل قدرة نيلسون مانديلا على إيجاد الثقة من خلال تقديمها. فالحرية تبدأ من تفكير المرء، بحسب ما كتبه مانديلا لزوجته من سجن "كرونستاد" في عام 1975.
وذكر أن "الصدق، والإخلاص والبساطة، والتواضع، والكرم الخالص، وغياب الغرور، والاستعداد لخدمة الآخرين، صفات في متناول كل نفس، وهي أساس الحياة الروحية للمرء".
تحولت القضايا السياسية في مصر إلى قضايا شخصية منذ الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك، وسعى المنظمون المختلفون لاحتجاجات 30 يونيو لإطاحة الرئيس محمد مرسي، في حين وجه الأخير انتقادات لاذعة لأولئك الذين يخشون من إيجاده دولة إسلامية غير ديمقراطية.
وكتب الخبير في الشؤون العربية من جامعة جورج واشنطن، ناثان براون، في مدونة مجلة "فورن بوليسي"، أن "جزءاً من المشكلة هو عدم تقديم أي من الجانبين لموقفه في شروط قابلة للتسوية".
ويقول إن الاتفاق على مختلف قضايا الحوكمة قد أصبح أمرا ممكنا، "إلا أن الإرادة السياسية كانت مفقودة".
إن الدولة الديمقراطية تتجاوز الحكم بوجود الأغلبية، وهو ما يحتاج محمد مرسي إلى فهمه. يجب على مرسي كذلك الإقرار بأن أولئك الذين يسعون لديمقراطية كاملة، قد ارتابوا في الطريقة التي وضع بها رفاقه في جماعة "الإخوان المسلمين" دستورا جديدا.
إن الرئاسة والمحاكم والمتظاهرين، جميعهم على خلاف، غالبا إلى النقطة التي لا يتواصلون فيها، وبمقدور مبادرات الكرم قطع شوط طويل.
ففي وقت مبكر من تسعينات القرن الماضي، بعد إطلاق سراح مانديلا، التقى بأرملة الرجل الذي خطط لسياسة التمييز العنصري، وتبنى فريق جنوب إفريقيا لرياضة الرغبي للبيض، المسمى "سبرينغ بوكس"، وذلك من خلال ارتداء قميص النادي في إحدى المباريات.
إن المصالحة في مصر ملحة، وذلك كما حذر وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي.
وقال إن "هنالك حالة من الانقسام في المجتمع، واستمرارها يشكل خطراً على الدولة المصرية". كان على مرسي إيجاد سبل لتضمين مناصري الديمقراطية في نظام لتقاسم السلطة.
لقد قادوا الثورة الديمقراطية عام 2011، وليس جماعة "الإخوان المسلمين"، حتى لو كانت هذه الجماعة المنظمة بشكل جيد، استطاعت تدبر الفوز بالأغلبية خلال انتخابات 2012.