ما زالت أميركا، التي لا تزال غارقة في مستنقع حرب أفغانستان طويلة الأمد، التي فرضت تكلفة مذهلة من الدم والثروات، تتحدث كثيراً عن محادثات سلام رسمية مع "جماعة طالبان"، خصمها الرئيس في المعركة (رغم معارضة الرئيس الأفغاني حامد قرضاي). فمع عزم واشنطن على سحب قواتها بعد أكثر من عقد من القتال، هدفت المحادثات في الدوحة، بشكل كبير، إلى السماح لها بفعل ذلك "بصورة مشرفة".

إن كيفية إنهاء العمليات القتالية بقيادة أميركا، التي تحدد مستقبل أفغانستان، ستؤثر في أمن البلدان المجاورة لها، وتتجاوزها. وهنا يكمن السؤال الأكثر أهمية، وهو ما إذا كان مصير أفغانستان، التي وجدت كمنطقة عازلة بين روسيا القيصرية والهند البريطانية، مختلفاً عن مصير العراق وليبيا (وهما كيانان رسم الاستعمار حدودهما، وتدخلت فيهما أميركا خلال الأعوام الأخيرة)؟

يمكن أن يؤثر التدخل العسكري الأجنبي في تغيير النظام، لكن من الواضح أنه لا يستطيع إعادة تأسيسه بناءً على حكومة مركزية. لقد تم تقسيم العراق في كل شيء، إلا الاسم، إلى مناطق شيعية وسنية وكردية، بينما تبدو ليبيا متجهةً نحو ثلاثية مماثلة، على أساس القبيلة. وفي أفغانستان قد تكون أفضل نتيجة ممكنة هي تقسيم "خفيف" على غرار العراق.

أميركا منهكة قتالياً ومستنزفة مالياً، بعد خوض أطول حرب في تاريخها، بتكلفة آلاف الأرواح وعشرات تريليونات الدولارات، إلا أن جهودها لإبرام صفقة مع "طالبان" التي تدعمها باكستان، تثير قلقاً عميقاً بين الجماعات التي عانت كثيرا تحت وطأة حكم طالبان. وبينما كان قرضاي متقلباً، على الأقل، بشأن التعاون مع الأميركيين، فإن تمزيق تحالفه السياسي مع القادة الذين لا ينتمون لقبيلة "البشتون"، أشعل الاستقطاب العرقي كذلك.

ومع استمرار بعض سماسرة السلطة الذين لا ينتمون لـ "البشتون" في دعم قرضاي، إلا أن آخرين كثيرين يقودون، حالياً، "الجبهة الوطنية" المعارضة، ومن غير المرجح أن يقبل هؤلاء القادة بأي ترتيب لتقاسم السلطة يشمل "جماعة طالبان"، بل إنهم يشكون في أن الهدف الأقصى لقرضاي، هو استعادة نفوذ "البشتون" في جميع أنحاء البلد. المشكلة الأكثر خطورة اليوم، هي أن توترات أفغانستان العرقية، والاتهامات المتبادلة، تهدد بتقويض تماسك جيش البلد حديث العهد ومتعدد الأعراق. والانقسامات الحالية تشبه تلك التي حدثت عند انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان عام 1989.

وهو مخرج أدى إلى حرب أهلية، واستيلاء طالبان، في النهاية، على العاصمة كابول. هذه المرة، تعد المجتمعات التي لا تنتمي لـ "البشتون" أفضل تسليحاً، وهي مستعدة للدفاع عن مصالحها بعد انسحاب القوات الأميركية. ومن خلال السعي لاستمالة "طالبان"، لا تمنح أميركا الشرعية فحسب لميليشيا قطاع الطرق، بل تخاطر كذلك، من دون قصد، بإشعال صراع أفغانستان العرقي، الذي من شأنه، على الأرجح، تمزيق البلد إلى الأبد.