من السهل وصف الاضطرابات في حديقة «غيزي» في إسطنبول وأماكن أخرى في تركيا، باعتبارها «ربيعاً تركياً»، حيث تطالب حشود بالديمقراطية، حتى الآن، في دولة أخرى من دول الشرق الأوسط.
لكن هذه الأحداث الصاخبة، عوضاً عن أن تكون إشارة إلى فشل الديمقراطية في تركيا، قد تثبت عكس ذلك، فهي برهان على مزيد من النضج في السياسة التركية، التي تعد، حالياً، مرنة بما فيه الكفاية لاختبار فترات من السخط العام الذي يقوي الديمقراطية التشاركية.
هل هذا من باب التمني؟ ليس تماماً، فهنالك عدة أسباب وراء اختلاف ميدان «تقسيم»، بشكل تام، عن ميدان «التحرير» في مصر، وليس أقلها أن التظاهرات ليست ضد ديكتاتورية راسخة، بل ضد رئيس وزراء فاز في ثلاث انتخابات حرة ونزيهة متعاقبة.
يمكن وصف المشكلة بشكل أكثر دقة، باعتبارها رد فعل ضد تعسف رئاسة وزراء رجب طيب أردوغان، الذي ينبع في جانب منه من التعب السياسي، وحتى الغطرسة، بعد 10 سنوات طويلة في السلطة، والشكاوى الاجتماعية الأخرى.
لقد أساء أردوغان للكثيرين حتى الآن، ويبدو على نحو متزايد، غير منصت ومتعجرفاً في مواجهة السخط العام عن طريق العديد من سياساته.
وإذا بقي غير حساس بالنسبة إلى شريحة واسعة من الرأي العام، فربما سيكلفه الأمر منصبه، وربما أيضاً إسقاط حزبه في الانتخابات المقبلة.
فاز أردوغان بمنصبه عن طريق كسب دعم شعبي واسع، ليس من الأتراك ذوي التوجهات الدينية فحسب، بل أيضاً من الدوائر الليبرالية والفكرية التي توافق على انتصاره الحاذق على الهيمنة العسكرية التي امتدت طويلاً على السياسة التركية، والمزيد من التحرر.
لقد حول أردوغان الاقتصاد التركي، وجعله في المرتبة السابعة عشرة بين أكبر اقتصادات العالم، وأدخل إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية كبرى، بينما سعى، بحماسة، لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي.
كما قام بالكثير من أجل تسوية المشكلة الكردية الدامية طويلة الأمد، أكثر من أي رئيس وزراء تركي آخر.
وتبنى سياسة خارجية جديدة وجريئة بشكل كبير، أبعدت تركيا عن أن تكون مجرد «حليف مخلص لأميركا»، لكي تصبح لاعباً جغرافياً سياسياً جديداً ومستقلاً في حد ذاته في الغرب، والشرق الأوسط، وإفريقيا، وأوراسيا.
لكن أردوغان ربما استنفد طاقته بعد عقد من الإنجازات، ويزرع الآن بذور دماره من خلال التهور والعجرفة اللذين كلفاه الكثير من الدعم الشعبي، والمتجسدين في خططه غير المدروسة «لتطوير» حديقة «غيزي» في إسطنبول، التي تعد الآن أيضاً رمزاً للكثير من الشكاوى العامة الأخرى.
ولدى أردوغان أعداؤه، حيث يود إسقاطه بعض من طبقة أتباع كمال أتاتورك الحاكمة، التي كانت مهيمنة وتم عزلها، وكذلك الكثير من القوميين الأتراك الذين يقفون ضد التنازلات للأقلية الكردية الكبيرة التي ستعترف بتطلعاتهم الثقافية الاستقلالية، والجيش المعزول منزعج، كما يستاء العلمانيون المتطرفون من إفساح أردوغان المجال العام للإسلام، وهو موضوع أساسي غير مسموح به من قبل أتباع كمال أتاتورك، إضافة إلى تفاقم الفساد بعد 10 سنوات في السلطة.