للوهلة الأولى، يمثل أحدث تقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام عن الإنفاق العسكري، سببا للتهليل، إذ انخفضت النفقات العسكرية العالمية للمرة الأولى منذ عام 1998، متقلصة 0.5% عن الأرقام الحقيقية السابقة خلال عام 2011.
ولكن التدقيق في الأرقام يقطع التهليل، إذ عكس كثير من ذلك الانخفاض تخفيضات شهدتها الولايات المتحدة مع إنهائها لحربين إقليميتين، فضلا عن تخفيضات شهدها الغرب كجزء من عملية التقشف التي فرضت في أعقاب الأزمة المالية العالمية والأزمة الاقتصادية في أوروبا.
لا يزال العالم يشكل مكانا غير آمن، ولكن هناك أسبابا حقيقية للتساؤل عما إذا كان إنفاق مبالغ كبيرة من المال على القوات العسكرية يجعل العالم أكثر أمنا!
ووفقا لتقرير معهد ستوكهولم، الذي يعتبر رسميا، فقد بلغ إجمالي الإنفاق العسكري 1.753 تريليون دولار في عام 2012.
ويمثل ذلك الرقم انخفاضا بنسبة 0.5% بالأرقام الحقيقية بدءا من عام 2011، وهو اتجاه يستحق التهليل. ومع ذلك، فإن هذا الإجمالي يمثل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويظل أعلى من الذروة السابقة في الإنفاق العسكري، التي سجلت بالقرب من نهاية الحرب الباردة.
وتواصل الولايات المتحدة تفوقها على غيرها من الدول من حيث الإنفاق، إذ انخفض الإنفاق العسكري في الولايات المتحدة بنسبة 6%، إلى 682 مليار دولار. ويأتي الشق الأكبر من هذا الانخفاض، من تقليص الإنفاق على حربي العراق وأفغانستان، ويتوقع للعام الجاري أن يشهد تخفيضات إضافية.
وللمرة الأولى منذ نهاية مواجهة القوى عظمى وانهيار الاتحاد السوفييتي، تراجعت حصة الولايات المتحدة من الإنفاق العسكري العالمي إلى أقل من 40%.. غير أن تلك التخفيضات لم تقوض التفوق الأميركي الهائل في الإنفاق.
ففي العام الماضي وحده، أنفقت واشنطن أكثر مما أنفقته الدول العشر التالية الأكثر إنفاقا مجتمعة. وقد زاد إنفاقها في العام الماضي على ما كان عليه في عام 2001، أي قبل غزو أفغانستان، بنسبة تقرب من 70%.
وتحتفظ الولايات المتحدة بأكبر وأشرس وأحدث جيش في تاريخ البشرية. وعكس جزء كبير من سائر ذلك الانخفاض، ميزانيات دفاعية أصغر في اقتصادات متقدمة أخرى، مثل أوروبا الغربية وأستراليا وكندا واليابان.
ولسوء الحظ، فقد قوبلت تلك التخفيضات بارتفاع في الإنفاق العسكري في العديد من الدول النامية. والنتيجة هي أننا: "قد نكون في بداية تحول في ميزان الإنفاق العسكري العالمي، من الدول الغربية الغنية إلى المناطق الناشئة".
سوف تستغرق هذه العملية وقتا، إذ لا يزال العالم المتقدم يمثل معظم النفقات العسكرية، فدول حلف شمال الأطلسي وحدها دفعت في العام الماضي أكثر من تريليون دولار نفقات عسكرية. وفي آسيا، تختلط الاتجاهات. وعموما، فإن الإنفاق العسكري يواصل ارتفاعه، رغم أن معدل التوسع يتباطأ.
وقد انخفض متوسط المعدل السنوي لارتفاع الإنفاق العسكري في المنطقة إلى النصف، من 7.0% سنويا في الفترة ما بين عامي 2003 و2009، إلى 3.4% سنويا ما بين عامي 2009 و2012.
ويعزو معظم المحللين ذلك إلى مشكلات الاقتصاد الصيني، إذ يواصل جيش تلك الدولة جهوده التحديثية، ولكن بوتيرة تتباطأ جنبا إلى جنب مع الاقتصاد الكلي. وبطبيعة الحال، ينبغي لليابان أن تكون مستعدة للدفاع عن نفسها وتشكل حليفا جيدا. ولكن يتعين عليها أن تقاوم الرغبة في تضييق نطاق تفكيرها بشأن الأمن، واعتماد نهج شامل تجاه الأمن الوطني لكي يعود بمردود أكبر.