تثير الأزمة المالية في قبرص سؤالين مثيرين للاهتمام؛ من يحتاج للآخر بدرجة أكبر، روسيا أم أوروبا؟ ورغم غضب المودعين الروس الذين خسروا أموالاً في حساباتهم المصرفية القبرصية، هل يمكن لهذه الأزمة أن تساعد روسيا في نهاية المطاف؟
للوهلة الأولى، يبدو أن روسيا تعتمد اعتماداً كبيراً على سائر أوروبا، فما يقرب من 60% من الصادرات الروسية، التي يتقدمها النفط والغاز، يذهب إلى الاتحاد الأوروبي وبلدان أوروبية أخرى مثل سويسرا. ونظراً لأن الروس أودعوا مليارات اليوروهات في البنوك القبرصية، فالقرار المثير للجدل الذي اتخذه المقرضون لإنقاذ الاقتصاد القبرصي، والذي فرض ما يسمى بـ"حلاقة" رؤوس المودعين الكبار، قد أضر بالعديد من الروس.
غير أن ذلك يدعو لقلق موسكو بصورة أقل مما تبدو عليه الحال للوهلة الأولى، فروسيا لا تعاني من مشكلات منطقة اليورو بقدر ما تعاني من ممارساتها التجارية التي عفا عليها الزمن.
وهي لا تعتمد مالياً على أوروبا. وعلى العكس من ذلك، فإن الشق الأكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر، لا يأتي إلى روسيا من قلب الاتحاد الأوروبي، وإنما من مناطق بحرية مثل قبرص، وجزر فيرجن البريطانية، وجزر برمودا (التابعة لبريطانيا). وتتكون كل هذه الودائع الخارجية، تقريباً، من أموال روسية روكمت خارج روسيا.
ومن المفارقة أن المشكلات الاقتصادية الأوروبية، يحتمل أن تنفع روسيا، فقد تجبر بعض الأموال المخبأة في الخارج على العودة إلى الوطن. ومن الناحية السياسية، فقد سمحت الأزمة الأوروبية للزعماء الروس بنشر الدعاية القومية، مصرين على أن روسيا تنهض في الوقت الذي ينهار المشروع الأوروبي.
ومع ذلك، فإن النخب الروسية متوترة على نحو مفهوم. وعندما بدأت مناقشات خطة إنقاذ قبرص بين قادة الاتحاد الأوروبي تشمل الحديث عن مصادرة حصة من الودائع في البنوك القبرصية، أعرب الزعماء الروس عن شعورهم بالصدمة والغضب.
وفكرت الحكومة الروسية في إنقاذ قبرص، غير أن الكريملن سرعان ما أدرك أنه يمكن لعملية إنقاذ شاملة أن تكلفه قرابة 6 مليارات يورو، وأنه يمكن لتهافت محتمل على سحب الودائع من المصارف القبرصية، أن يتطلب ما يتراوح بين 20 و40 مليار يورو، لتغطية سحوبات المودعين وإعادة رسملة النظام المصرفي في البلاد.
واستفادت موسكو من هذا من ثلاث نواح؛ أولاً، لم يضطر البنك الروسي التجاري "في تي بي" لمصادرة أي من ودائع عملائه. ثانياً، في حين أن الكريملن قرر عدم مساعدة أصحاب الحسابات الخاصة من الروس، فقد أعلن أن الشركات الروسية المؤسسة في قبرص تستطيع الحصول على دعم مالي من البنك المملوك لروسيا "في إي بي".
وأخيراً، فإنه يبدو أن العديد من الأوليغارشية الروس، أمثال أليكسي مورداشوف وأندريه أكيموف ويوري كوفالتشوك، شعروا بالخطر وسحبوا أموالهم في أوائل مارس الماضي. ونتيجة لذلك، فقد خسر مؤيدو الإنقاذ في موسكو عدداً كبيراً من المساندين المحتملين.