تعتمد الصراعات الحديثة بين الشعوب في جانب كبير منها، على كيفية خوضها والتقنيات المستخدمة فيها.
لقد تم ربط الحرب العالمية الأولى بالغاز والقنابل والاستخدام المبكر للقوة الجوية، أما الحرب العالمية الثانية فارتبطت بالقصف الاستراتيجي وأول استخدام للأسلحة النووية.
ولقد ساعدت تلك الوسائل في إظهارنا على حقيقتنا كبشر، وصقلت خبرتنا وسياستنا، كما ساهمت في نشوء مخاوفنا الحالية.
والسؤال المطروح: ما هي الوسيلة التي نخوض بها صراعاتنا اليوم؟ تبنى مؤخرا "ديفيد روثكوبف"، وهو كاتب وخبير في مجلة "فورن أفيرز" وعالم زائر في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، جملة جديدة مذهلة في مقال مستوحى من قرصنة وحدة سرية لجيش الشعب الصيني، للعديد من المؤسسات العامة في واشنطن، وأشار روثكوف إلى أننا نعيش الآن وسط ما أسماه بـ"حرب فاترة".
ولقد عرّف حالة هذا الصراع بطريقتين؛ الأولى تتضمن "إجراءات هجومية ثابتة تقريبا، تهدف لإيذاء أو إضعاف المنافسين، أو إحراز ميزة عبر انتهاكات السيادة واختراق الدفاعات".
أما السمة الثانية فتبدو واضحة المعالم، وليست الأخيرة، وفقا لجهود حرب الانترنت الصينية، وهي تعتمد على نشر تقنيات تغير الطريقة التي يتم بها خوض العديد من الصراعات والتوترات في العالم.
وبينما تم نشر الكثير من التحليلات عن سبب قيام الحروب، فإنه من المهم الاهتمام بسعي الدول لتجنب الصراعات، وذلك لإدراكها أنها صعبة ومحفوفة بالمخاطر، ولأن التكلفة البشرية والمالية مرتفعة.
وهي فكرة لخصها "روبرت إدوارد لي"، وهو أحد قادة الكونفدرالية في الولايات المتحدة، يقول في هذا الصدد: "من المعروف أن الحروب مروعة، وهناك كثير من البشر ينشؤون وهم مولعين بها كثيرا".
لكن تكتيكات واستراتيجيات "الحرب الفاترة" تجتذب المشرعين السياسيين تحديدا، لأنها أقل تكلفة، وذلك لأنها تغني عن استخدام الجنود والمعدات العسكرية، على النقيض من الحروب التقليدية.
ومن الناحية السياسية، يبدو هذا النوع من الحرب أقل خطرا من الحرب "الحقيقية".
إذا كانت هناك سمة أخيرة للحرب الفاترة، فهي مقدار المساءلة التي وجهت لمؤسسات السرية المسؤولة عنها، مثل وكالة المخابرات المركزية وجيش الشعب الصيني، أو عن طريق الوكالات، وهي ليست لها أهداف محددة، ولا توجد بها رغبة في مناقشة تأثيرها على السيادة والاتفاقيات الدولية.
هنالك بعض الأسباب التي تدعو للتفاؤل، وهي أن الانجراف نحو "الحرب الفاترة" لا يحدث دون ملاحظة، حيث يتم إبراز القضايا القانونية المتعلقة بها، وإثارة طرح فقدان الشفافية والتحديات، من قبل المشرعين ونشطاء حقوق الإنسان.
وفي حقيقة الأمر، يجري التحقيق من قبل الأمم المتحدة في القضايا المتعلقة بشرعية الصراع الموجه عن بعد، لكن النقاش حتى الآن مجزأ بشكل عميق.
والأمر الضروري هو إجراء مناقشة حول ماهية تأثير التقنيات والوسائل الحديثة على العمليات العسكرية في جميع النواحي، بدءا من حقوق الإنسان، وانتهاءً بالحدود والسيادة في منطقة ما من الاتصال العالمي، حيث يمكن مثلا تعريض مصالح الدول للخطر من شاشة كمبيوتر بعيدة.