بقدر ما كانت السنوات القليلة الماضية بائسة بالنسبة للاقتصاد العالمي الراكد، فإن لها جانباً مشرقاً. فقد أجبرت الأوقات العصيبة القادة السياسيين على البحث عن أفكار لتعزيز النمو، وها هم يخرجون بفكرة جيدة بين الحين والآخر.
وأحد الأمثلة على ذلك هو الضغط من أجل التوصل إلى اتفاق تجارة حرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث أعرب قادة الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد، أخيراً، عن "دعمهم لاتفاق تجارة شامل" مع الولايات المتحدة، مشيرين إلى قدرته على إيجاد فرص عمل في قارة لا تزال تصارع ارتفاع معدلات البطالة والديون.
وبالتأكيد، فإن مستوى التجارة عبر المحيط الأطلسي هائل بالفعل، فقد صدرت الولايات المتحدة، وفقاً لوزارة التجارة الأميركية، ما قيمته 329 مليار دولار من السلع إلى أوروبا عام 2012، فيما استوردت ما قيمته 454 مليار دولار. ومتوسط التعرفة الجمركية المفروضة على هذا التدفق الهائل للبضائع الذي يعد أكبر منه بين الولايات المتحدة وكندا أو المكسيك أو الصين أو اليابان منخفض بالفعل، إذ لا يزيد على 3%. ومع ذلك، فإنه من شأن تصفير التعرفات أن يعزز الناتج الاقتصادي الأميركي - الأوروبي بما يقرب من 180 مليار دولار، مقسمة بالتساوي بين الطرفين، في غضون خمس سنوات، وذلك وفقاً لتقرير أصدرته غرفة التجارة الأميركية عام 2010. ومن شأن المكاسب أن تزيد في حال وافقت الولايات المتحدة وأوروبا على إزالة الحواجز التنظيمية غير الجمركية المفروضة على التجارة، بما في ذلك النفور الأوروبي من المنتجات الزراعية الأميركية المنتجة من كائنات معدلة وراثياً.
وفي الواقع، فإنه يرجح للزراعة أن تشكل، بمجرد بدء المحادثات بشكل جدي، نقطة الخلاف الأسوأ، إذ إن تنسيق القواعد والأنظمة الصناعية يعتبر أسهل نسبياً. ويبدو أن أعضاء النقابات وأنصار البيئة الأميركيين، الذين اعترضوا على اتفاقات تجارية سابقة مع المكسيك وكولومبيا، سوف يجدون عدداً أقل من الأسباب لمعارضة عقد صفقة مع أوروبا الخضراء ذات الأجور المرتفعة.
وبصرف النظر عن الفوائد الاقتصادية، فإنه من شأن التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وأوروبا، أن توطد العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين. فعلى الرغم من كل مآسيهما الحالية، ورغم صعود الصين، فإن الولايات المتحدة وأوروبا لم تزالا تنتجان أكثر من نصف الناتج الاقتصادي العالمي، ومن مصلحتهما المتبادلة توحيد المعايير والأنظمة، على نحو يمكنهما من الاشتراك في تشكيل تدفق التجارة.
ومن جانبها، أعربت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عن تخوفها من احتمال تعثر المفاوضات في حال لم تدعم أوروبا أقوالها المؤيدة للتجارة بالأفعال، كما تفعل أحياناً. ولكن البيان الذي أصدره الاتحاد الأوروبي أخيراً، يأتي على رأس دعم علني شخصي واضح للتجارة الحرة، من جانب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، وأوروبا تتساءل الآن متى يعتزم الرئيس أوباما إرسال إشارة قوية بدرجة موازية لكي يمكن بدء المحادثات بشكل جدي؟