لا يمكن لباكستان بتاريخها القريب الحافل بالانقلابات وعمليات الاغتيال والاحتجاج الجماهيري أن توصف بأنها بلد مستقر، ولكن المواجهة التي جرت حديثاً بين المحكمة العليا التي أمرت بإلقاء القبض على رئيس الوزراء الباكستاني والحكومة التي تحدت ذلك الأمر رسمياً، تطرح احتمال حدوث أزمة أخرى تدعو للانزعاج، وتضيف الحشود الغاضبة في الشوارع التي مضت تصرخ بشعارات تردد أصداء شعارات الربيع العربي بعداً آخر لا يمكن التنبؤ به للأزمة.
ولكن ليس في هذا الركن الشمالي الشرقي من العالم الإسلامي وحده تتردد هذه الأصداء غير متوقعة للربيع العربي. فما عليك إلا أن تنتقل جنوباً فغرباً إلى مالي، وعندئذ يبدو الطرف الغربي في غمار عملية غليان أيضاً.
وخلال أيام من قرار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند التدخل هناك، مضت القوات الفرنسية تخوض قتال شوارع للحيلولة دون تقدم المتشددين، وهذا التمرد يمكن إرجاعه بشكل مباشر إلى عودة محاربي الطوارق من ليبيا المجاورة بعد سقوط الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي وانتشار أعداد هائلة من الأسلحة في المنطقة.
ومع استمرار اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، وكون ليبيا واليمن أبعد ما تكون عن أن يسودهما السلم، ومع مواجهة النظامين الجديدين في مصر وتونس للكثير من المتاعب، فإنه يمكن الحديث عن الافتقار الشديد للاستقرار إن لم يكن عن حرب شاملة تمتد في قوس لا ينقطع تقريباً من غربي أفريقيا إلى جنوب آسيا، واللغز الحقيقي هو أن هذا يحدث فيما الولايات المتحدة ومعظم حلفائها يفقدون شهيتهم للتدخل العسكري.
وما إذا كان بوسع الفرنسيين أن يخرجوا من مالي بالسرعة التي ورطوا أنفسهم بها هناك، هو سؤال قائم بذاته، ولكن الأميركيين والفرنسيين لم يبدوا حماساً للانضمام إليهم هناك.
والعواقب بعيدة المدى لمثل هذا الاضطراب واسع المدى بالنسبة للأمن العالمي بعامة والأمن الأوروبي خاصة، تدعو للانزعاج بما فيه الكفاية واختطاف أشخاص أجانب في الجزائر أخيراً، يمكن أن يكون البداية فحسب لفترة تعتبر فيها مناطق بكاملها من شمال أفريقيا والشرق الأوسط والمناطق القريبة منهما غير آمنة. ولكن هناك عواقب قصيرة المدى أيضاً لا بد من النظر فيها على وجه السرعة.
مع تخطيط الولايات المتحدة للتعجيل بانسحابها من أفغانستان، وتوقع أن تحذو بريطانيا حذوها، فإن آخر شيء يحتاجه المرء هو اضطراب إقليمي كبير، دع جانباً حدوث فوضى في باكستان، والسحب الناجح للقوات والمعدات من أفغانستان يعتمد إلى حد كبير على ضمانات بالعبور الآمن من السلطات الباكستانية.
والمساعدة الموعود بها من روسيا هي موضع ترحيب ولكن ليس هناك بديل للتعاون من جانب باكستان. غير أن الرحيل الوشيك للقوات المقاتلة الأجنبية من أفغانستان هو أيضاً مكون يدخل في الخليط الذي يهدد بعدم استقرار جديد في باكستان. وهناك شكاوى عديدة مما يجري في أفغانستان، وهذه الشكاوى لا تقتصر على الأفغان وحدهم وإنما تمتد إلى باكستان أيضاً.