مع انتهاء الحصار الدموي على محطة الغاز الجزائرية "عين أميناس"، التي تديرها جزئياً شركة "بريتيش بتروليوم" البريطانية، زعم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، كما فعل الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير قبله، أن البريطانيين يواجهون "تهديداً وجودياً وعالمياً" لمصالحهم وأسلوب حياتهم.
وبينما ساندت طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني التدخل العسكري الفرنسي ضد المتمردين في مالي، وقيل إن القوات البريطانية كانت على أهبة الاستعداد للانتشار في تلك الدولة الواقعة غرب إفريقيا، تعهد كاميرون بأن "صراعاً جيلياً" سوف يتم خوضه بـ"عزيمة من حديد". كما حذر من أن القتال على الجبهة الجديدة في الحرب على الإرهاب في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، يمكن أن يستمر لعقود من الزمن.
وبالتالي فإن بريطانيا التي أنهكها التقشف، والتي تشهد الاستغناء عن الألوف من جنودها، في ظل إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما أن "عقدا من الحرب قد شارف على الانتهاء"، تحتضن تصعيداً للتدخل المسلح في بقعة أخرى من بقاع العالم الإسلامي. وبطبيعة الحال، فإن القوات الفرنسية هي المتدخلة هذه المرة، ولكن حتى بريطانيا تشهد محادثات بشأن تعزيز هجمات الطائرات الموجهة عن بعد والقوات الخاصة، وقد رفض كاميرون استبعاد تدخل قوات المشاة.
وقد يعتقد المرء أن الحرب على الإرهاب حققت نجاحاً ساحقاً، من طريقة إصرار القوى الغربية عليها. غير أنها، في الواقع، فشلت فشلًا ذريعاً، حتى وفقاً لشروطها الخاصة، وهذا هو السبب في أن إدارة أوباما شعرت بضرورة تغيير اسمها إلى "عمليات الطوارئ الخارجية"، إلى أن أعاد وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا إحياء الاسم القديم مؤخراً.
لقد غذت هذه الحرب الإرهاب، بدلًا من مكافحته، في كل مكان أطلق له العنان؛ من أفغانستان إلى باكستان، ومن العراق إلى اليمن، متسببة في انتشاره من مخابئ أسامة بن لادن الأفغانية شرقاً، إلى آسيا الوسطى، ثم إلى شمال إفريقيا غرباً، في الوقت الذي شقت القوات الأميركية والبريطانية وغيرها من القوات الغربية، طريقها عبر العالم العربي والإسلامي بالغزو والقصف والتعذيب والخطف، على امتداد أكثر من عقد من الزمن.
وقد أثبتت السنوات العشر الماضية على نحو لا يدع مجالًا للشك، أن مثل هذه التدخلات لا تساهم في حل الأزمات، ناهيك عن معالجة أسباب الإرهاب، وإنما تعمقها وتولد صراعات جديدة. ومن شأن تعزيز التدخل العسكري أن يدعم الأنظمة الاستبدادية، والخطب التي تنادي به، تنفث مزيداً من السم في العلاقات المجتمعية في الدول المتدخلة.. يبدو أن هذا الثمن يجب أن يدفع مراراً وتكراراً.
