انقلبت التوقعات والوقائع رأسا على عقب بين حفلي تنصيب الرئيس الأميركي باراك أوباما. فحين أدى أول رئيس أسود لأميركا اليمين الدستورية يوم 20 يناير 2009 في واشنطن، كان المناخ النفسي مفعما بالبهجة، ولكن الاحتمالات، وسط أعمق ركود اقتصادي على امتداد ثلاثة أرباع قرن وحربين لم تكتملا، كانت مثيرة للقلق بكل المقاييس العقلانية.
وكم اختلفت الأمور الآن. حيث أسفرت فترته الرئاسية الأولى عن الكثير، بما في ذلك حزمة من الحوافز يرجح أنها جنبت البلاد كسادا اقتصاديا، وخطوة هائلة نحو تغطية صحية أميركية شاملة. ومع ذلك، فإن المناخ النفسي اليوم مفعم بالتشاؤم، والمصطلح المروع "بطة عرجاء" يتردد على كل شفة ولسان. غير أن التشاؤم ليس في محله. وفي حقيقة الأمر، فإن هذه لحظة تحمل فرصة نادرة وحقيقية لمعالجة مشكلات الولايات المتحدة، ويمكن لفترة أوباما الرئاسية الثانية أن تكون، خلافا للفترة الرئاسية الثانية التي حظي بها سلفه جورج بوش، فترة لا تنسى لجميع الأسباب الصحيحة.
فقد تعلم الرئيس الأميركي دروسا كثيرة، ليس أقلها مدى استعصاء سبل واشنطن الحزبية والموجهة من قبل جماعات الضغط. ولن يكرر أوباما الخطأ الذي ارتكبه في فترته الرئاسية الأولى حين لم يستغل المنبر الرئاسي الشهير استغلالا كبيرا، معتقدا خطأ بأن السياسة شأن يسود فيه الحس السليم وروح التعاون بصورة تلقائية. إذ حررته أربع سنوات من العداء الجمهوري المتواصل من تلك الفكرة.
ولن تدوم هذه الفرصة لأكثر من 18 شهرا، وهي المدة التي ستسيطر بعدها الانتخابات النصفية المقبلة، ومن ثم الحملة الانتخابية لعام 2016، على السياسة الأميركية استيلاء تاما. ولكن أوباما، من الآن وحتى منتصف عام 2014، يعتبر في موقف موات بشكل ملحوظ. وذلك لسبب واحد، وهو أنه لن يخوض أي انتخابات أخرى، وبالتالي فإنه سيكون أقل حاجة للاسترضاء.
ويضيف اقتصاد أميركا الآخذ في القوة، وتقدمها الذي لا يلقى اهتماما إعلاميا كبيرا، والهام مع ذلك، نحو الاكتفاء الذاتي من الطاقة إلى حريته في المناورة. أما بالنسبة للجمهوريين، فقد باتوا يفهمون الحقيقة بعد هزيمتهم الرئاسية الساحقة في نوفمبر الماضي، وهي أنهم لا يستطيعون إملاء السياسات الوطنية عبر أغلبية في مجلس النواب تكاد تضاهي في شعبيتها وباء الطاعون الدبلي. ويجدر بنا أن نتذكر أيضا أن الأميركيين ككل لم يريدوا مجلس نواب جمهوريا. فقد فاز الديمقراطيون في التصويت الكونغرسي الشعبي بما يقرب من نصف مليون صوت على المستوى الوطني، ولكن الغش شيء رائع.
وينبغي لأوباما أن يستغل الافتتاح، من خلال تقديم مقترحاته الخاصة للسيطرة على العجز، بما في ذلك فرض قيود على نمو برامج الاستحقاق من شأنها ألا تروق لحزبه الخاص. وإبرام "صفقة كبرى" هو أمر ممكن. وإذا لم يحدث ذلك الآن، فمتى؟ ولدى أوباما فرصة لإضافة إصلاح نظام الهجرة إلى قائمة إنجازاته. حيث يقدر كثير من الجمهوريين الآن حقيقة أن إبعاد أصوات الأميركيين من أصول لاتينية يؤدي إلى خسارة الانتخابات. وفي حين أن اتخاذ تدابير للتصدي لتغير المناخ يشكل هدفا أبعد، فإنه ليس بعيد المنال تماما.