أعقب قيام كوريا الشمالية بإطلاق صاروخ طويل المدى مؤخرا، دفق هائل من الإدانة العالمية بدا هزليا من حيث إمكانية التنبؤ به وعجزه عن التأثير في الواقع. وهذا الإطلاق أكد واقعا أكبر لم يعد بالإمكان تجاهله، وهو أن العالم قد دخل عصرا نوويا ثانيا، والقنبلة الذرية عادت من أجل فصل ثان، أداء مستعاد في مرحة ما بعد الحرب الباردة. وهذا النمط الأكبر يحتاج إلى أن يفهم إذا ما أريدت إدارته.
لا تزال ملامح العصر النووي الثاني تتشكل، ولكن السنوات القليلة المقبلة ستكون حافلة بالمخاطر بشكل خاص، لأن الجدة نفسها كقاعدة عامة توجد مخاطر، والخطوط الحمراء يعاد تحديدها، وقد استغرق ذلك 10 سنوات على الأقل في العصر النووي، وهذه المرة لن تكون مختلفة.
في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرقها، تتجلى العداوات القديمة في سياق نووي. وقد غير هذا بالفعل الأوضاع العسكرية على امتداد الشرق الأوسط، فجزء من الترسانة النووية الإسرائيلية يجري نقله إلى البحر.
حيث توضع رؤوس نووية على غواصات تعمل بالديزل لمنع استهدافها في هجوم مفاجئ. تطلق إسرائيل كذلك جيلا جديدا من الأقمار الصناعية، لتوفير تحذير مبكر من استعدادات الدول الأخرى لضربات بالصواريخ ضدها. فإذا قامت دولة في المنطقة بنشر صواريخها المتحركة، فإن إسرائيل تريد أن تعرف ذلك في التو.
هكذا، فإن المشكلة القديمة المتعلقة بالسلام العربي الإسرائيلي، ينظر إليها الآن في سياق جديد هو السياق النووي، وهاتان المشكلتان يتم ربطهما معا. كيف ستستجيب إسرائيل لهجمات بالصواريخ من غزة أو لبنان أو مصر، إذا كانت تواجه في الوقت نفسه تهديد شن هجوم نووي عليها من قوة إقليمية في المنطقة؟
وقد ضاعفت باكستان حجم ترسانتها النووية في السنوات الخمس الأخيرة، وقواتها المسلحة تتأهب لنشر أسلحة نووية تكتيكية جديدة، أسلحة ميادين معارك قصيرة المدى، بينما نشرت الهند ثلاثيا نوويا يتألف من الطائرات القاذفة والصواريخ والغواصات، وقامت في العام الماضي باختبار صاروخ بالستي عابر للقارات، الأمر الذي منحها القدرة على إمكانية ضرب بكين وشنغهاي.
ولدى الهند بالتأكيد رؤوس حربية متعددة يجري تطويرها، كما أطلقت أقمارا صناعية لمساعدتها على استهداف القوات الباكستانية. وفي شرق آسيا، مضت كوريا الشمالية في الطريق النووي، وهي مصممة على أن تضيف نوعية جديدة تماما من قنابل اليورانيوم إلى ترسانتها النووية، وقامت باختبار موجات إطلاق سريعة بمقدورها شن هجمات على كوريا الجنوبية واليابان، قبل تعرضها لأي هجوم مضاد.
والصين أيضا تنقل قواتها النووية إلى الصواريخ المتحركة والغواصات، وهذه الأسلحة يمكن وضعها موضع الاستنفار بطريقة ستبدو واضحة للأقمار الصناعية الأميركية والإعلام العالمي، وهكذا فإن الصين بمقدورها بيسر إضفاء الطابع النووي على أزمة مع أميركا أو أي دولة أخرى.
وروسيا التي لا ترغب في أن تقف مكتوفة الأيدي، قامت مؤخرا بإجراء أكبر مناورات نووية على امتداد عقود، لتذكير الجميع بأنها تظل لاعبا نوويا.
ورغم تعدد المخاطر، فإن المشكلة الأكثر إلحاحا تنبع من انهيار احتكار القوى الكبرى للسلاح النووي، وتمكين قوى أصغر مثل كوريا الشمالية وباكستان وإسرائيل نوويا. وفي الوقت الحالي تمس الحاجة إلى مجموعة جديدة من القواعد، من أجل الدبلوماسية والاستراتيجية العسكرية والأسلحة، لكي يمكن تحقيق توازن هذا النظام النووي الآخذ في الظهور.